الصفحة 178 من 228

ونريد نحن بين يدى هذه المقدمة الثمينة التى ذكرها أبو حامد أن نقول كلاما يعين على فهمها، ويساعد على قبولها.. إن المؤمنين سواء في إيمانهم بكتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولا يتصور في مسلم أن يرفض آية من القرآن، أو يتجنب طريقا يعلم أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ سار فيه، وطلب منا أن نتابعه عليه... هم سواء في فلك على اختلاف مذاهبهم الفقهية، أو منازعهم السياسية، أو آرائهم الكلامية. ومن قال: أنا ضد هذه الآية، أو لن اقتدى برسول الله فيما أعلم أنه أمر به ونهى عنه، فقد مرق من الإسلام، وفارق الملة بيقين. (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا) اليقين والخضوع لله ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، صفات لا ينفك عنها مسلم أبدا. بيد أن أسلوب الفهم عن الله ورسوله، وصور الاستجابة المطلوبة قد يعروها اختلاف يرجع إلى الطبيعة الذهنية للسامع من ناحية، أو تكون هذه الأساليب والصور متسعة الدائرة من ناحية الأداء اللغوى الذى صيغت فيه وفهمت به. وقد أحصى أبو حامد أحوالا متباينة لجملة من الحقائق الشرعية لم يختلف الناس في صحتها، ولكنهم اختلفوا في فقهها وتوجيهها. ولكل صاحب رأى منهم وجهة نظره التى ينبغى الاعتراف بها، على ما بين هذه الآراء من بعد... ولا يجوز لنا تجريح امرئ يتحرى إرضاء ربه ونبيه جهد طاقته النفسية، ووفق ما تتحمل اللغة من أفهام. وينضم إلى ذلك أيضا ذلك الاختلاف المحدود في تقويم سنن الآحاد، ومبلغ ما تحظى به أسانيدها من قوة وضعف. والأمر الذى انفرد به الإمام الغزالى وهو يتبع مسير الفكر الإسلامى على اختلاف وجهاته أنه بين الروابط الجلية والخفية التى تبغى هذا الفكر مربوطا بالدين، وتؤوى أصحابه إلى جماعة المؤمنين. إن اختلاف الطبيعة الفكرية للبشر، كان موضع ملاحظة جادة لهذا الإمام، خصوصا عند تفاوت المستويات الثقافية للناس. ص _183

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت