فهرس الكتاب
واسمع إليه بعد ذلك يقول:"بما أن التصديق المنجى هو الإذعان بالقلب والاعتراف بوجود كل ما أخبر الله رسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بوجوده، فاعلم أن للوجود مراتب من لم يتنبه لها يقع في تكفير من لا يستحق التكفير. المرتبة الأولى: الوجود الذى يعبر عنه العلماء بالذاتى، وهو الثابت للشىء في الخارج كوجود السماء والأرض والبحار والجبال وغير ذلك، مما لا يتوقف تحققه على إدراك مدرك وعقل عاقل. والمرتبة الثانية: مرتبة الوجود الحسى، وهو وجود شىء يتمثل في العين مما لم يسبق لها أن رأته كالصور الغريبة التى يراها النائم وكذلك المريض، بل قد يتصورها المتيقظ الذى سبح في خياله إذا كان منصرفا تمام الانصراف عما يدور حوله كصورة فرس لها جناحان مثلا. والمرتبة الثالثة: مرتبة الوجود الخيالى، وهو وجود صورة ما سبق أن رأته العين تتمثل في الخيال بعد غيابه عنها كما تدرك صورة فيل أو فرس بعد أن يتوارى عن نظرك. والمرتبة الرابعة: مرتبة الوجود العقلى وهو وجود الشىء الذى له حقيقة ثابتة، ولكن لا تدركه الحواس، وإنما يدركه العقل فقط، كالقدرة والإرادة والحياة مثلا فإنها مدركة بالعقل ولا تدرك الحواس إلا بعض آثارها. والمرتبة الخامسة: مرتبة الوجود الشبهى وهو يكون لشىء مذكور باللفظ، وليس لهذا الشىء وجود لا بذاته في الخارج ولا بصورته في الحس ولا بخياله ولا في العقل، وإنما يكون الوجود شيئا آخر يشبهه في صفة من صفاته، وسيأتيك مثاله في جانب الله سبحانه وتعالى. إذا علمت هذا فإليك أمثلة هذه الدرجات من الوجود مما جاء في كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . ومن غفل عن هذه الدرجات وقع في تكفير من لا يستحق التكفير. إذا أخبر الشارع عن وجود شىء فقد يكون المراد وجوده بنوع من هذه الأنواع، لا خصوص الوجود الذاتى الذى هو أعلاها في مدارك البشر. فإذا قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما في الحديث الصحيح:"يؤتى بالموت يوم القيامة فى