الصفحة 181 من 228

إذا علمت هذا فاعلم أن كل من نزل قولا من أقوال صاحب الشرع على درجة من هذه التأويلات فهو من المصدقين، وإنما التكذيب هو أن ينفى وجود هذه الأشياء التى ورد بها الشارع بأى نوع من أنواع هذه الموجودات ويزعم أن ما قاله صاحب الشرع لا معنى له، وإنما هو كذب محض أراد به صرف الناس عن شىء يريده. وحينئذ من أول لا يكفر، وكيف يكفر المؤول، وما من فريق من أهل الإسلام إلا وقد اضطرر إلى التأويل، وهاهو ذا أبعد الناس عن التأويل الإمام أحمد ابن حنبل قد أول.. فقد قال الثقات من أئمة الحنابلة: إن الإمام أحمد صرح بالتأويل في مواضع قليلة جدا عدها بعضهم ثلاثة. منها في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"الحجر الأسود يمين الله في الأرض". ومنها قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن"فقد أول الإمام أحمد- رحمه الله- عندما قام عنده البرهان على استحالة المعنى الظاهر.. فقال في تأويل الحجر الأسود.. إلخ: لما كانت اليد تقبل في العادة تقربا إلى صاحبها، فالحجر الأسود يقبل تقربا إلى الله امتثالا لأمره. فهو مثل اليمين، لا في ذاتها ولا في صفاتها، ولكن في أمر عارض من عوارضها، وهو التقرب بتكريمها لصاحب الأمر بهذا التكريم. وكذا لما قام عنده البرهان على استحالة وجود اصبعين لله تعالى يحيطان بالقلب، لأن من يتحسس صدره لا يشعر فيه بإصبعين، تأول ذلك على الأمر العقلى الذى يلزم الأصابع وهو قدرتها على تقليب الأشياء من حال إلى حال. فالمعنى المراد أن القلوب تحت تصرف الله سبحانه، يفعل بها ما يشاء، ولم يتوسع ابن حنبل- رحمه الله- في التأويل لأنه لم يظهر عنده استحالة الظاهر إلا في هذه المواضع التى أولها، لأنه- رحمه الله- لم يكن ممن شغلوا أنفسهم بكثرة الإمعان في النظر العقلى، ولو أمعن كغيره لظهر له كثير مما يصح تأويله. ككون الله سبحانه وتعالى في السماء في قوله: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض) مع كونه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت