فهرس الكتاب
دون عائق، وتنشأ عزيمته في نفسه غير مقيدة بطبع غالب، أو وراثة كامنة؟ لا.. لا نستطيع أن نقول ذلك. فنحن- كما يقرر علماء الأخلاق- نجزم بأن الدولة للوراثة والبيئة، وهما ليسا من صنع المرء- آثارا عميقة في تكوين خلاله، وتكييف أحواله، وحسب المرء ليتعرف بأنه مجبور في دائرة محكمة أن يعلم بأن طبيعة عقله وجسمه التى يولد بها ليست من صنع يده. وسؤال آخر.. هل نستطيع بعد التجربة والمشاهدة القول بأن الإنسان كائن مشلول، لا يزيد في خصائصه عن صنوف الكائنات الأخرى من جماد وحيوان، وأنه كريشة طائرة، أو جثة طافية؟ لا، فالإنسان يمتاز بعقل يتصرف به يمنة ويسرة، ويكتشف به ما يفعل وما يترك، ويعرف به متى يمضى ومتى يقف؟؟ إذن ، الإنسان مجبور مختار، وهكذا قال الإسلام، والذين يقولون: إنه لا اختيار له يكذبون القرآن والواقع معا. والذين يقولون: إنه غير مجبور في شىء يكذبون القرآن والواقع معا . ذلك من ناحية.. وثم ناحية أخرى. هل يمكن وصف الإنسان بأنه خالق؟ إذا أنشأ المهندسون والفعلة عمارة شاهقة في أرض كانت فضاء، هل يعد صنيعهم هذا خلقا من العدم؟ إن ما فعلوه يمكن وصفه بأنه خلق حقيقى لو أنهم أبرزوا الأحجار والأخشاب والحديد والحصى واللون من العدم المحض. أما وهم إنما جمعوا مواد كانت موجودة قبلا، وأفرغوها فقط في صورة جديدة، فلا يمكن اعتبارهم خالقين، إلا على ضرب من التجوز. والقرآن تناول الإرادة الإنسانية على ضوء من الحقائق التى قدمنا بعضها هنا ، فحكم بأنها حرة، ومسئولة في مجال الحرية والمسئولية الذى لا شك فيه، وحكم بأنها مقهورة في المجال الآخر، ووزع نسبة الأعمال طورا إلى خالقها الحقيقى، وطورا إلى السبب في خلقها، وهو في هذا التوزيع لا تنقصه ذرة من الصدق: (و بالحق أنزلناه و بالحق نزل و ما أرسلناك إلا مبشرا و نذيرا!) . ص _087