الصفحة 83 من 228

ولا مكان لتناقض بين شتى الآيات، إلا إذا كان قولنا: الإنسان أبيض الجلد أسود الشعر متناقضا... لأننا نجمع بين البياض والسواد في وقت واحد!! إن الله عز وجل- في آية واحدة من القرآن النازل بمكة ـ جمع بين المعنيين الصحيحين المحكمين فقال: (ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون) . ختام الآية يقرر مسئولية المرء عن عمله، وصدرها يلمح إلى القدر الأعلى! كان الله قادرا على خلق البشر كلهم ملائكة، ولكنه لم يفعل، وخلقهم على نحو صالح للابتلاء والتكليف والنجاح والسقوط. فمن اتجه يمينا: ثبت قدميه على طريق الخير ومهده له. ومن اتجه يسارا: لم يقف دقات قلبه، أو يمنع رجليه من الحركة. إنه يوجه الإنسان حيثما اتجه.. والبحث في موضوع الجبر والاختيار قديم، خاض فيه رجال الفلسفة، كما خاض فيه علماء الأديان. ولم يكن الكلام فيه ابتداعا اختص به أهل الإسلام. ونرى واجبا علينا أن ننقل من شروح العلماء الراسخين لهذا الموضوع، ما ينير جنباته ويكشف غوامضه. القضاء والقدر في منطق الفلسفة الإسلامية: وقد أعجبنى وأنا أقرأ كتاب"رجال الفكر والدعوة"للأستاذ أبى الحسن الندوى. حديثه السائغ الحلو عن الشيخ جلال الدين الرومى، وكيف عالج هذه المسألة بذكاء ويسر. قال: إن الجبر والاختيار من المسائل المهمة العويصة التى شغلت حيزا كبيرا من كتب علم الكلام، وقد ذهبت فرقة إلى نفى الاختيار المطلق وإثبات الجبر المحض، وسميت في تاريخ الملل والنحل بالجبرية، وهذه الفرقة يرد عليها جلال الدين ردا واضحا معقولا، إذ يقول:"لو كان الجبر حقا، لما توجه الأمر والنهى إلى الإنسان، وما كلف الإنسان بالشرائع والأحكام، فهل سُمع إنسان يأمر حجرا وينهاه"؟ ص _088

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت