الصفحة 85 من 228

يزعم أنه مضغوط عليه في فعل شر أو ترك خير، غير أنه من الإنصاف في سرد الحقائق كلها أن تذكر الظروف الكثيرة التى تحيط بالإنسان وتترك آثارا غائرة في تصرفه.. ص _089

قد يشعر الإنسان- وهو محق في شعوره- أن حريته تشبه أحيانا حرية راكب السيارة المنطلقة، أو الباخرة الراحلة في أن الحركة المتاحة له، وتنقله الميسر له محدود جدا داخلهما. وأنه لا يستطيع تجاوز سور الباخرة وإلا ابتلعه اليم، ولا سلم السيارة وإلا سقط في الطريق. ويعنى هذا أن هناك أحوالا خارجية قد تتصل برزقه وأجله وصحته وسقمه تستطيع التأثير فيه، ولا يستطيع الفكاك منها. إن هذا مرجعه ما نسميه نحن المسلمين: القدر. والشعور بالسلطة العليا للقدر معروف في أديان الله كلها، وليس وقفا على الإسلام!! وقد شاع بين الأوروبيين أن القدر فكرة إسلامية خاصة، فاسمع إلى الأديب الألمانى"جيته"يعلق على هذه الشائعة في كتابه"محاورات جيته مع تلامذته". قال"جيته"".. لفهم ارتباط الأديان بعضها ببعض يجب عليكم الاشتغال أربعين عاما بدرس تاريخ الأديان والبحث فيه كما فعلت. إن ما يبدأ المحمديون بتعلمه في تربيتهم الفكرية خليق بالانتباه! فهم يثبتون في أذهان شبابهم عقيدة أنه لن يصيبهم أمر لم يقدره الله الذى يدبر الأمور بإرادته- وهذا أساس دينهم- منذ الأزل، فلهذا يقاومون صروف الدهر في كل حياتهم مستريحين. لا أريد التكلم في صواب هذه العقيدة أو خطئها ولا في فائدتها أو ضررها. غير أن لها أثرا يلاحظ فينا أيضا بدون تعلمنا إياها: فكل جندى ذاهب إلي حرب يقول:"لن تصيبنى طلقة لم يكتب عليها اسمى"فكيف كان يستطيع هذا الرجل المحافظة على رباطة جأشه ومهاراته بإزاء المخاطر الهائلة بدون هذه العقيدة؟"أ. هـ. ص _090

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت