فهرس الكتاب
أفلا تكون عقيدة النصرانية"لن يسقط فرخ عصفور من سطح دون مشيئة- أبيكم- الله"مترشحة من المنبع الإسلامى نفسه، ومتضمنة تصديق حكمة بالغة، وهى عدم حدوث أمر دون إذن من يعرف الأمور كلها ومشيئته؟ وعلماء المسلمين يفرقون بين المجال الذى تعمل فيه الإرادة الإنسانية وترتبط به مسئوليتها، وبين المحيط الرحب الذى تمتد فيه الإرادة الإلهية المطلقة. الأول: مجال الأفعال الاختيارية التى يتعلق بها الثواب والعقاب. والآخر: مجال القدر الذى يتلقى الناس سراءه وضراءه بالتسليم والرضا، والآيات القرآنية كثيرا ما تتناول هذا وذاك. وقد شرح العلماء حدود كل مجال وضربوا له الأمثلة، بحيث ينتفى التناقض الذى يتوهمه"جولد تسيهر"وغيره. القضاء والقدر عند الشيخ محمد عبده: قال الشيخ محمد عبده في رسالة التوحيد:".. كما يشهد العقل والحواس من نفسه أنه موجود ولا يحتاج في ذلك إلى دليل يهديه، ولا معلم يرشده، كذلك يشهد أنه مدرك لأعماله الاختيارية، يزن نتائجها بعقله ويقدرها بإرادته، ثم يصدرها بقدرته، ويعد إنكار شىء من ذلك مساويا لإنكار وجوده في مجافاته لبداهة العقل. وكما يشهد ذلك في نفسه يشهده أيضا في بنى نوعه كافة متى كانوا مثله في سلامة العقل والحواس ومع ذلك فقد يريد إرضاء خليل فيغضبه، وقد يطلب حظا من كسوة أو رزق فيفوته، وربما سعى إلى منجاة فسقط في مهلكة، فيعود باللائمة على نفسه إن كان لم يحكم النظر في تقدير فعله، ويتخذ من خيبته أول مرة مرشدًا له في الأخرى، فيعاود العمل من طريق أقوم، وبوسائل أحكم، ويتقد غيظه على من حال بينه وبين ما يشتهى إن كان سبب الإخفاق في المسعى منازعة منافس له في مطلبه، لوجدانه من نفسه أنه الفاعل في حرمانه فينبرى لمناضلته، وتارة يتجه إلى أمر أسمى من ذلك إن لم يكن لتقصيره، أو لمنافسة غيره دخل فيما لقى من مصير عمله. كأن هب ريح فأغرق بضاعته، أو نزلت صاعقة فأحرقت ماشيته، أو علق أمله بمعين فمات، أو بذى"