الصفحة 88 من 228

تافه، كما أن منهم من أضاع ما في بيته من برغل وهو ذاهب إلى دمياط للحصول على الأرز!!! غير أن من لا يسعى إلى مخبز لشراء خبز منتظرا إياه من القدر، لابد أن يموت جوعا . ص _092

لقد حدثت الاختلافات بين مفكرى المسلمين من تظاهر هذين النقيضين. فأما الأغلبية من علماء المسلمين، فحلوا هذه المشكلة بأن المخلوقات والحادثات كلها تابعة للإرادة الكلية الإلهية، ومنقادة لها، ولكن الله منح الإنسان إرادة جزئية، لتكون له دليلا يميز به الخير من الشر، والحسن من القبيح. وأما الفريق الآخر فقد وضع نصب عينه أمر مسئولية البشر المعنوية، وتصدى لإنكار القدر جملة، مدعيا بأن العبد خالق لفعله، وتعامى عن عجزه أمام ما يصادفه من العقبات في حياته، وتغافل عن الشكر لما ينال من العون، ومال إلى طريق التكبر والاعتزال، وكان الباعث على انتحال هذا الرأى هو ظنهم بأنه لو كان في أفعال الإنسان حافز معنوى سوى إرادته الذاتية. لكان الجزاء والعقاب الموعود بهما في الآخرة مغايرين للعدالة. وقال فريق آخر من الناس:".. كل شىء بيد القدرة الإلهية، والإنسان خاضع للمشيئة، وكل أفعاله مقدرة ومكتوبة في اللوح المحفوظ منذ القدم..". فسلبوا الإنسان الإرادة الجزئية، ودفعوا البشرية إلى الاستسلام والعطل في هذه الدنيا، وأسندوا الظلم إلى الله العادل، إن لم يكن صراحة فضمنا، من أجل الجزاء الأخروى، وقد نشأ هذا الرأى من خشية الوقوع في الشرك، لو قلنا بتعارض الإرادة البشرية والمراد الإلهى، في حين أن البشر مجبولون على خاصة تمييز الخير والشر، والإنسان مأجور أو مسئول عن أفعال الخير والشر في الدنيا والآخرة. ويمكن تشبيه الإرادة الجزئية البشرية بما يعطى عامل من سلطة، فكما أن هذه السلطة لا تسقط حق الرئيسى الأعلى، ولا تخل بشرفه وسلطانه، فإن معاقبة من يسئ استعمال هذه السلطة لا تخالف العدالة كذلك. وعبارة"الأعمال مكتوبة في اللوح المحفوظ": تدل على كون العلم الإلهى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت