الصفحة 90 من 228

التى عرضها محمد في مسألة حرية الإرادة والقدرة ترجع إلى أزمان مختلفة من نشاطه النبوى، وتتفق والتأثيرات التى أوحتها إليه الظروف المختلفة في كل فترة من الفترات، ففى الأزمان الأولى للعصر المكى كان يقبل تماما حرية الاختيار والمسئولية، ولكن في المدينة أخذ يتوغل شيئا فشيئا في مذهب الجبر، والتعاليم الأكثر جبرية ترجع إلى الفترة الأخيرة"أ. هـ. ص _094"

هل هذه الملاحظة صحيحة؟ هل القرآن المكى يتجه نحو حرية الإرادة على عكس ما نزل بالمدينة؟ أمامنا القرآن نفسه، ننظر فيه ونحكم. إن ما نزل بمكة يتضمن المعنيين على سواء. ما يدل على ناحية الجبر وما يدل على ناحية الاختيار. فسورة الكهف فيها: (و قل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر) . وفيها أيضا: ( من يهد الله فهو المهتد و من يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) . وسورة الإسراء المكية فيها: (من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه و من ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى) . وفيها أيضا: (ومن يهد الله فهو المهتد و من يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه و نحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا و بكما و صما مأواهم جهنم) . بل إن المعنى الموهم للجبر المطلق- كما يفهم المستشرق- تكرر حرفيا في القرآن النازل بمكة، والنازل بالمدينة. ففى سورة المدثر المكية: (كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو) وفى سورة البقرة المدنية: (..يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين) . ويتبين من هذا السرد أن وصف القرآن المكى بأنه يقرر حرية الإرادة، أو وصف القرآن المدنى بأن ينعطف نحو الجبر.. كلام فارغ. ولكن"جولد تسيهر"يصف هذا الكلام بأنه عميق وجد.. فما يكون اللغو إذن وما يكون العبث؟؟ القرآن في نظمه ومعناه، وفى أسلوبه ومرماه، لا يختلف مكية عن مدنية في شىء، فآخره يصدق أوله وأوله يمهد لآخره، وهذا التفريق من سخافات المستشرقين، والمفتونين بهم. ص _095

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت