فهرس الكتاب
ولكن الذى حدث- للأسف الشديد- أن التفكير الإسلامى أصيب بصداع هائل من أثر ليونة المسلمين في قبول الغث والسمين. ثم من أثر انكبابهم بجهد شديد على دراسة ما وراء المادة، والافتتان بأساطير الأولين في تصوير ما هنالك!! وكان هذا الانكباب على حساب التفات هذا العقل الذكى إلى المادة نفسها، وإلى الحياة وقيادة الدين بها. هل كان ذلك مسلك الأئمة، ومنهج جمهور الأمة؟ لا.. إن الأئمة في أمصار الإسلام جميعا كانوا يكترثون بدراسة الشريعة. وتلتف حولهم الجموع للاشتغال بالحق، لا بالباطل.. إن قادة الفكر الإسلامى رجال لم يتجاوزوا إطار الحياة العامة، ولا دائرة العلاقات الإنسانية في بحثهم ودرسهم. وقد اجتهدوا في ضبط واقع الناس بمقاييس الإسلام. أما في ميدان الاعتقاد والعبادة فكان قصاراهم تحرى مرضاه الله والتزام النصوص الواردة. وقد رفض مالك- إمام دار الهجرة- أن يقول كلمة واحدة في تفسير استواء الرحمن على العرش، وبذلك أبان عن موقف العقل الإسلامى من بحوث ما وراء المادة. لكن الرجل الذى سكت في هذا الميدان قضى زهرة عمره في مدارسة فقه العبادة والخلق ومقتضيات الإيمان في اتجاهات السلوك الإنسانى كله. ورأى تعرضه للجلد في فتوى يصدرها ضد الحكام أدنى إلى طبيعة الإسلام من الكلام في اكتناه صفات الله. هذه الواقعية الجادة هى الطابع الشائع في الفقه الإسلامى وسيرة رجاله. والفقه هو امتدادات الشريعة في جميع الأحوال الاجتماعية والتصرفات الإنسانية، فلما زحف بلاء الفلسفة الإلهية على العالم الإسلامى وأخذ المنحرفون يشغلون الأذهان بخرافات لاهوتية كدرة ضاق رجالات الإسلام بهذا الزيغ. وانفجر هذا الضيق في موقف أحمد بن حنبل من المعتزلة وملوك بنى العباس . ص _100