الصفحة 96 من 228

النزاع بين أهل السنة والمعتزلة: كانت فتنة خلق القرآن السبب المباشر لاندلاع الحرب بين فئتين بعدت بينهما الشقة وكمنت البغضاء. الأولى: تشمل جمهور العلماء، ومعهم سواد الأمة وهم يرغبون في المحافظة على الثقافة التقليدية للمسلمين، ويرفضون المشى مع الخيالات المستوردة، والمجالات النظرية التى لا قيمة ولا جدوى منها. والأخرى: المعتزلة ومعهم السلطة الحاكمة، وهم يرغبون في شغل الأذهان بمسائل الفلسفة اليونانية بعد خلطها بتعاليم الدين، وخلق مزيج غريب منها ترى فيه النقل مشوها، والعقل جانحا إلى أوهام باطلة. ونحن بعد انقضاء ألف عام على هذه المحنة نسأل: أكان المعتزلة مخلصين للعقل ومنطقه يوم استعانوا بسيف الحكومة على إيذاء خصومهم في الرأى؟ أما كان الأجدر بهم أن يكتفوا بالحجاج الفكرى المحض في مجالسه التى أشاعوها حتى غص بها المجتمع الإسلامى؟ إن مجادلات بيزنطة انتقلت للأسف إلى محافل هذه الحضارة الطريفة النظيفة فلوت عنانها وهدت كيانها. ثم أهذه وظيفة الحاكم في الإسلام؟ إن المرتقب من الحاكم أن يتحرى آثار الراشدين من الخلفاء فيلتفت إلى مصالح الأمة يرعاها وينميها، وإلى دعوة الإسلام فيمد شعاعها ويجلو تعاليمها، وإلى الأعداء المتربصين فيستعد للقائهم ويكف عن دين الله شرورهم. لكن الترف العقلى الآثم أتاح لذوى السلطة ومن مالأهم من المعتزلة أن يحدثوا هذا التيار الدخيل، وأن يحاولوا سوق الأمة جمعاء معهم. بيد أن العلماء القادة قاوموا بعنف وصبر هذا الابتداع، وقرروا أن يحيوا التراث الإسلامى ويصونوه. وتولى إمامة الناس إلى هذا الهدف أحمد بن حنبل. ومن الخطأ الظن بأن النزاع الذى احتدم كان من أجل أن يقول أحمد: إن القرآن مخلوق. إن النزاع دار حول التزام خطة السلف أو المروق منها. وحول شغل الناس ببدع علم الكلام، أو شغلهم بالجهاد والإنتاج كما كانوا مع رسول الله وخلفائه . ص _101

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت