فهرس الكتاب
لقد شرحنا في صدر هذا البحث المواطن التى تمهدت بطبيعتها لجهد العقل الإنسانى، والمواطن التى استوعرت عليه ويقف أمامها كليلا وله عذره. ربما استطاع الفكر الإنسانى أن يشهد- فحسب- عمليات الاحتراف الناشئة من تعاقب الزفير والشهيق في جسمه، وكيف تتولد الحرارة في كيانه مع هذه الحركة الموصولة. إنه يشهد فقط ما يجرى، أو يتصوره. أما معرفة كنه هذه الحركة فمستحيلة، فإذا اتصل الأمر بالجهاز العصبى، ومصادر الشعور واللاشعور ازداد الأمر تعقدا، إلى أن يصل المرء بسرعة إلى درجة القصور المطلق. فبأى وجه يريد الإنسان معرفة أسرار الألوهية؟ وبأى وجه يثار الكلام في ذات الله وصفاته ويدور التساؤل: هل الصفات عين الذات أم غير، أم لا عين ولا غير؟؟ إن تطاول العقل إلى هذه الأمور غرور أى غرور. وقد تكلم الفلاسفة الإلهيون في أصل الوجود كلاما هو إلى التخامين والتُرهات ، أقرب منه إلى العلم الأصيل المحترم. والحق أن الأنبياء وحدهم هم الذين يزودوننا بالكلم الفصل في هذه المجالات. وعلينا أن نستمع لهم، وأن نصرف نهمنا العقلى إلى موضوعات ملائمة. وعلم الكلام- في ديننا- يصح أن يدرس، وأن يتوسع فيه عندما يكون تصويرا مجردا للعقائد الإسلامية، وشرحا سليما لبراهينها، وردا للشبهات التى قد تثار عليها. أما ما شاع في هذا العلم من مباحث فلسفية، وتكلفات عقلية، وتوليدات خلقها الفراغ، وتخمينات أساسها الحدس، فذاك ما يجب نبذه وتطهير الثقافة الإسلامية منه. وقد شن أئمة السلف حملة شعواء على هذا العلم من حيثما احتفاؤه بهذه القضايا، واسترساله في عرضها وفرضها. ونحن نشارك في هذه الحملة ونظاهر رجالها بصدق وعزم. ص _103