لا يصلح لك، وهذا أمر قد صقلته الأذهان على تطاول الأزمان وتلقته العقول بالتسليم والقبول، وفزعت إليه عند التخاصم والتحاكم) ا. هـ. وقال أبو العباس (وأما الألفاظ المجملة فالكلام فيها بالنفي والإثبات دون الاستفصال يوقع في الجهل والضلال والفتن والخبال والقيل والقال) ا. هـ. والنقول عن أهل السنة في ذلك كثيرة ونكتفي بما نقلناه حتى لا تطول الرسالة فيحصل الإملال، وخلاصة هذا الفصل أن تعلم اتفاق أهل السنة على مقتضى هذه القاعدة، فهي من الأصول المجمع عليها بين السلف ولم يخالف فيها أحد فيما نعلم والله ربنا أعلى وأعلم.
{فصل}
فإن قلت:- فما الأسباب الداعية لأهل البدع أن يجنحوا إلى مثل هذه الألفاظ التي أوجبت عند أهل الحق ضلالهم وبعدهم عن الهدى، فأقول:- هناك أسباب ولعل أهمها ما يلي:-
الأول:- الجهل بحقيقة لغة العرب، فإن هؤلاء المبتدعة إنما أخذوا هذه الأصول الفاسدة التي بنوا عليها معتقدهم من الفلاسفة اليونانيين الأعاجم من أفراخ اليهود والنصارى، الذين لا يعرفون لغة العرب ولا دلالات اللسان العربي، فتلقف المبتدعة هذه الألفاظ من الأعاجم الدخلاء على عقيدة الأمة، من غير تمييز بين حقها وباطلها، وجعلوها أصول اعتقادهم وقاسوا عليها أدلة الكتاب والسنة فجاؤا بهذه الألفاظ المجملة المشتبهة من غير نظر ولا فهم ولا تمييز، ولو أن هؤلاء المبتدعة سلموا لأدلة الكتاب والسنة وأخذوا أصولهم من أهل السنة لما تكلموا بهذه الألفاظ الفاسدة المجملة لكنهم جعلوا الأعاجم والأنباط وأفراخ اليونانيين أسيادًا لهم في أخذ معتقداتهم وتربوا في مدارسهم الكفرية، وأصلوا أصولهم الفاسدة المناقضة للمعقول والمصادمة للمنقول فضلوا وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل فالجهل بحقيقة اللفظ له دور كبير في نشوء هذه الألفاظ المجملة المحتملة للحق والباطل.
الثاني:- قصر اللفظ العربي ذي الدلالات الكثيرة على دلالة واحدة فإن هؤلاء المبتدعة يأتون بألفاظ مجملة يدخل تحتها معانٍ متعددة فلا يفهمون منها إلا معنىً واحدًا فيقصرون اللفظ على ذلك المعنى، وهذا تابع للأول في الجهل بدلالات الألفاظ العربية.