الصفحة 39 من 68

ولعل ذلك واضح إن شاء الله تعالى.

الفرع الثاني عشر:- الحيز، إذا قال قائل (الله في حيز) أو قال (الله ليس في حيز) فكيف تقول في ذلك؟ والجواب أن تقول:- أما لفظ الحيز فإننا نتوقف فيه فلا نثبته ولا ننفيه كما قلناه في لفظ الجهة والمكان وأما معناه فإنه مجمل ولا بد من الاستفصال، فماذا تعني بقولك (الله في حيز) هل تعني أنه منحاز عن الخلق منفصل عنهم مباين لهم فوق سماواته مستوٍ على عرشه، ليس في ذاته شيء من ذوات خلقه ولا في ذوات خلقه شيء من ذاته، فإن كنت تريد هذا فهذا صدق وحق وهو الذي دلت عليه الأدلة، لكن الأسلم، بل الأوجب أن لا نعبر عن هذا المعنى الحق بلفظ بدعي مجمل محتمل، بل لا نعبر عنه إلا بما ثبت في الأدلة وتفوه به أهل السنة وهو أن نقول:- الله فوق سماواته بائن من خلقه مستوٍ على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته، ودعك من الألفاظ السخيفة المبتدعة المنكرة، فإن كنت تريد بالحيز هذا المعنى الحق فهو حق، وإن كنت تعني بالحيز أي الذي يحوز الأشياء أو هي تحوزه، أي أن الأشياء تحل في ذاته أو هو يحل في ذاتها فهذا باطل وكفر وزندقة وضلال وبهت وكذب وفجور، وهو بعينه ما يعتقده أهل الحلول، وأهل وحدة الوجود عاملهم الله بعد له لا بعفوه، فإنه قد تقرر عند المسلمين عمومًا وأهل السنة خصوصًا أن ذات الله تعالى منفصلة عن ذوات خلقه كل الانفصال، تعالى الله وتقدس أن يكون شيء من ذاتنا في ذاته أو شيء من ذاته في ذواتنا، لا والله هذا لا يكون أبدًا ولا يقره أصلًا نقل صحيح ولا عقل صريح ولا فطرة سليمة بل ذات الله في العلو المطلق الكامل من كل وجه وليس شيء منها حال أو متحد في شيء من أجزاء هذا الكون، بل هو على عرشه فوق سماواته بائن من خلقه، جل وعلا، سبحانه وتعالى عما يقوله الظالمون علوًا كبيرًا، والمقصود أن من قال (الله في حيز) إن كان يعني بالحيز أي المنحاز بمعنى البائن والمنفصل عن مخلوقاته وهو فوقها على عرشه على ما يليق بجلاله وعظمته فهذا حق، وإن كان يعني بالحيز ما يحوز الأشياء أي تحل فيه ويحل فيها فهذا باطل كل البطلان، وأما من قال (الله ليس في حيز) فإنك تعكس عليه الكلام، فإن كان يقصد بالحيز في هذا النفي أي البائن المنفصل عن المخلوقات فهذا كذب وباطل وإن كان يقصد بالحيز ما يحوز الأشياء أو هي تحوزه فهذا حق وصدق، وأرسم لك المسألة رسمًا بيانيًا لأطمئن على وضوح الفرع في قلبك:-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت