الفرع الرابع عشر:- قول القائل (إن آيات الصفات متشابهة) ويقصد بالتشابه الخفاء وعدم فهم المعنى، وهذه المقالة من المقالات المجملة التي تحتمل حقًا وباطلًا، وذلك أن أهل السنة رحمهم الله تعالى ينظرون إلى صفات الله تعالى باعتبارين، باعتبار المعنى وباعتبار الكيفية على ما هي عليه في الواقع، فأما باعتبار المعنى فإن آيات الصفات من قبيل المحكم، بل في أعلى درجات المحكم الواضح فمعاني آيات محكمة عند أهل السنة أي معلومة المعنى باعتبار الوضع اللغوي، وذلك لأن الله تعالى قد خاطبنا بها في كتابه وفي سنة نبيه ? باللسان العربي فوجب علينا حمل معانيها على ما تقرر عندنا في هذا اللسان العربي إذ يستحيل أن يخاطبنا الله بلساننا العربي ويريد منا أن نفهم من هذه الكلمات العربية غير ما تقرر عندنا في لساننا وما نفهمه من معاني لغتنا العربية، لأن الأدلة وردت لإرادة البيان والهداية، للتعمية والإلغاز، ولأن الله تعالى قد أمرنا بتدبر القرآن وهذا الأمر أمر عام مطلق وآيات الصفات داخلة فيه دخولًا أوليًا، أي أننا مأمورون بتدبرها وكيف يأمرنا الله بتدبر شيء غير مفهوم المعنى هذا لا يكون أبدًا، ولأن أهل السنة أجمعوا على أن معاني الصفات معلومة المعنى أي باعتبار دلالتها اللغوية، وقد تقرر أن الإجماع في مسائل الاعتقاد لا يعتمد فيه إلا قول أهل السنة، فهذا إجماع ثابت صحيح قطعي وقد تقرر أن الإجماع حجة شرعية يجب قبولها واعتمادها والمصير إليها وتحرم مخالفتها، فآيات الصفات باعتبار معانيها ودلالاتها اللغوية ليست متشابهة أي ليست خافية الدلالة، مبهمة المعاني، مشكلة الفهم بل هي محكمة، لما ذكرته لك من الأدلة، وأما باعتبار كيفياتها فإن كيفية الصفة مما استأثر الله بعلمه، فلا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا ولي صالح ولا أي أحد، فلا يعلم كيف الله إلا الله جل وعلا، ولا يجوز الخوض في كيفية شيء من صفات الله، لأن كيفية الشيء لا تعلم إلا إذا رؤي، أو رؤي نظيره، أو تكلم الصادق في كيفية صفته، وكلها منتفية في حق صفات الله تعالى، أي في كيفياتها، وهذا باتفاق السلف، وأهل السنة بذلك قد توسطوا بين مذهب أهل التجهيل وأهل التمثيل، فأهل التمثيل قالوا:- نحن نعلم معانيها وكيفياتها - والعياذ بالله - وأهل التجهيل قالوا:- نحن لا نعلم لا كيفياتها ولا معانيها، وأما أهل السنة فقالوا:- نحن نعلم معانيها ونفوض علم الكيفية إلى الله تعالى، وبهذا تعلم أن قول من قال ... (آيات الصفات متشابهة) فقد أصاب وأخطأ وهذا على حسب مراده وقصده، فإن كان يقصد بذلك المعاني اللغوية فهو كاذب جاهل ضال، وإن كان يقصد