بأن الإرادة الكونية لا تستلزم محبة المراد, فالمعصية يريدها الله كونًا لكن يكرهها ويبغضها شرعًا, وإن كنت تريد بلفظ الإرادة أي الإرادة الشرعية فحاشا وكلا, لا, لا يريدها بهذه الإرادة ذلك لأنه لا يريد شرعًا إلا ما يحبه ويرضاه والمعصية لا يحبها الله ولا يرضاها، فإرادة المعصية من قبيل الإرادة الكونية، لا من الإرادة الشرعية وهذا واضح، فهو وإن أراد وقوعها كونًا إلا أنه لا يحبها ولا يرضاها شرعًا، وقد سئل أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى هذا السؤال:- هل أراد الله تعالى المعصية؟ فقال (لفظ المعصية مجمل له معنيان فيقصد به المشيئة لما خلقه ويقصد به المحبة والرضا لما أمر به، فإن كان مقصود السائل أنه أحب المعاصي ورضيها وأمر بها فلم يردها بهذا المعنى فإن الله لا يحب الفساد ولا يرضى لعباده الكفر ولا يأمر بالفحشاء بل قال لما نهى عنه ? كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا ? وإن أراد أنها من جملة ما شاءه وخلقه فالله خالق كل شيء وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولا يكون في الوجود إلا ما شاء، وقد ذكر في موضع أنه يريدها، وفي موضع أنه لا يريدها والمراد بالأول أنه شاءها خلقًا وبالثاني أنه لا يحبها ولا يرضاها أمرًا) ا. هـ.
الفرع الثالث والعشرون:- قول القائل (ما ثَمَّ إلا الله) أقول:- سئل أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى عن قول القائل:- ما ثم إلا الله؟ فأجاب ? بقوله (الحمد لله, قول القائل:- ما ثم إلا الله لفظ مجمل يحتمل معنىً صحيحًا ومعنىً باطلًا فإن أراد ما ثم خالق إلا الله ولا رب إلا الله ولا يجيب المضطرين ويرزق العباد إلا الله فهو الذي يعطي ويمنع ويخفض ويرفع ويعز ويذل وهو الذي يستحق أن يستعان به ويتوكل عليه ويستعاذ به ويلتجئ العباد إليه فإنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع ولا ينفع ذا الجد منه الجد كما قال تعالى في فاتحة الكتاب ? إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ? وقال تعالى ? فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ? وقال ? قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ ? فهذه المعاني كلها صحيحة وهي من صريح التوحيد وبها جاء القرآن, فالعباد لا ينبغي لهم أن يخافوا إلا الله كما قال تعالى ? فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ ? وقال تعالى ? الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ? وكذلك لا ينبغي أن يرجى إلا الله, قال الله تعالى ? مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا