الكتاب وفي الكهان والسحرة ونحوهم من أهل البدع بحسب بدعتهم فإن هذه الأحوال قد تكون شيطانية وقد تكون رحمانية فلابد من الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان, والفرقان إنما هو الفرقان الذي بعث الله به محمدًا ? فهو الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا, وهو الذي فرق به بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال وبين الرشاد والغي وبين طريق الجنة وطريق النار, وبين سبيل أولياء الرحمن وسبيل أولياء الشيطان كما تقدم بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع, والمقصود هنا أنه يقال لهم إذا كان جنس هذه الأحوال مشتركًا بين أهل الحق وأهل الباطل فلابد من دليل يبين أن ما حصل لكم هو الحق, الطريق الثاني:- أن يقال: بل هذا من الشيطان لأنه مخالف لما بعث الله به محمدًا ? وذلك أنه ينظر فيما حصل له وإلى سببه وإلى غايته فإن كان السبب عبادة غير شرعية مثل أن يقال له: اسجد لهذا الصنم حتى يحصل لك المراد أو استشفع بصاحب هذه الصورة حتى يحصل لك المطلوب أو ادع هذا المخلوق واستغث به مثل أن يدعو الكواكب كما يذكرونه في كتب دعوة الكواكب أو أن يدعو مخلوقًا كما يدعو الخالق سواءً كان المخلوق ملكًا أو نبيًا أو شيخًا فإذا دعاه كما يدعو الخالق سبحانه إما دعاء عبادة وإما دعاء مسألة صار مشركًا به فحينئذٍ فما حصل له بهذا السبب حصل بالشرك كما يحصل للمشركين, وكانت الشياطين تتراءى لهم أحيانًا وقد يخاطبونهم من الصنم ويخبرونهم ببعض الأمور الغائبة أو يقضون لهم بعض الحوائج فكانوا يبذلون لهم هذا النفع القليل بما اشتروه منهم من توحيدهم وإيمانهم الذي هلكوا بزواله كالسحر قال تعالى ? وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ? وكذلك قد يكون سببه سماع المعازف وهذا كما يذكر عن عثمان بن عفان ? أنه قال (( اتقوا الخمر فإنها أم الخبائث ) )وأن رجلًا سأل امرأة فقالت: لا أفعل حتى تسجد لهذا الوثن, فقال: لا أشرك بالله, فقالت: أوتقتل هذا الصبي, فقال: لا أقتل النفس التي حرم الله, فقالت: أوتشرب هذا القدح, فقال:- هذا أهون فلما شرب الخمر قتل الصبي وسجد للوثن وزنى بالمرأة, والمعازف هي خمر النفوس تفعل بالنفوس أعظم مما تفعل حميا الكؤوس فإذا سكروا بالأصوات حل فيهم الشرك ومالوا إلى الفواحش وإلى الظلم فيشركون ويقتلون النفس التي