الصفحة 100 من 253

كاملة، وإما انهزم وبدا عواره، وفى ذلك يقول جل شأنه"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين * ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون". والأمل في الاستشهاد قبل مواجهة العدو شىء عظيم، وأعظم منه وأدل على صدقه ألا يتبخر الحماس عند اللقاء، ويتغلب حب الحياة وإيثار السلامة. إن الله تبارك اسمه يبغض أصحاب المزاعم العريضة، فإذا دقت ساعة الجد وجدت"الثرثارين خرساء"لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون". * أما الآفة الأخرى التى تبعد ذويها عن جوهر الدين فهى أخذ العبادات من مراسمها البادية، وبذل الجهد في إتقان الظاهر وحده. ولو عقلنا لأدركنا أن القليل مع صحو الضمائر أفضل من كثير لا روح فيه، تأمل في حديث إبراهيم الخليل عن ربه، إنه حديث ليس فيه كشف لمجهولى، ولا تصوير لمعنى مبتاع، إنه يتناول أقرب المحسوسات إلينا"الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين". إن الرجل العامى يجد هذا الكلام قريبا من حسه، ولكن حقائق هذا الكلام هى التى فاتت العباقرة فزاغوا. ليس الأمر تزويق عبارات بليغة، ولا شرح فلسفات عويصة، الأمر لا يتطلب أكثر من أن يقرأ المسلم فاتحة الكتاب، فيعنى كل كلمة ينطق بها، ويكون قلبه مرآة نقية لما احتوت من حمد الله، وثناء عليه، وتعاهد معه، وتطلع إلى هداه ونعمته. هذه هى الحقيقة التى تحدث عنها علماء التصوف ورجال التربية. لا دلالة لهذه الكلمة غير ما قلنا، أن يلتزم المسلم بشريعته مبنى ومعنى أن ينفعل بتعاليمها لبا وقلبا وجسدا، أن يرقى إلى مستواها فكرا وعاطفة وسلوكا.. لا تعريف للحقيقة غير ما أوضحنا في الكلمات الآنفة، أن يتطابق الفؤاد مع اللسان عند ذكر الله، وأن تتعانق الروح والجسد عند الانقياد لأمره. ص _111"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت