فهرس الكتاب
ولا نريد أن نقف عند تلك الخطوات العوارض، بل يهمنا أن نصف حقيقة العبودية التى تنضح بهذه المعانى، أو تتجاوب معها، وحسبنا في ذلك الكتاب والسنة.. إن القرآن الكريم ينقل الإيمان من ميدان التصورات النظرية المعزولة إلى ميدان الشعور الحى المأنوس الواقع.. ففى مجالسنا حيث نسمر، أو نجد، يجب أن نعد بين الحضور رب العالمين:"ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا". وهذا الإحساس بالحضور الإلهى له نتائجه من رغبة ورهبة. والله، جل شأنه، يريد أن نشعر بهذه الهيمنة الشاملة، وأن نحسب حسابها فيما نفعل ونترك:"وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه"وفى الخريف الماضى كنت جالسا وحدى في جنينة تحت إحدى الشجيرات فسقطت على ورقة جافة، فتلفت في مكانى أنظر هنا وهناك وعلى لسانى قوله تعالى:"وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض". قلت لنفسى: إن الله يعلم بسقوط هذه الورقة الآن!. وقلبتها بين أصابعى أتأمل ظهرها وبطنها، وأتفرس في شبكة العروق اليابسة المنتشرة بين الوسط والأطراف. ومددت بصرى فإذا أوراق كثيرة ساقطة، ووجدت أنى إن استطعت عد هذه الأوراق الكبيرة فمن المستحيل أن أعد ا لأوراق الصغيرة تحت الشجيرات الأخرى.. قلت ذلك وأنا بين بضع شجيرات في بقعة لا تذكر من أرض الله، فكيف بما تنفضه رياح الخريف في القارات الخمس؟. ثم قلت: وعلم ذلك إن أعيا العادين في عصر واحد لكثرته الهائلة، فكيف بإحصاء ما تساقط على مر القرن من بدء الحياة إلى منتهاها؟. ص _117