الصفحة 107 من 253

وأخذتنى حيرة وروعة، وأنا أتابع سلسلة هذه الصور، ثم وأنا أمسك مرة ثانية بالورقة الجافة وأتساءل!: كيف نسجت مادتها وكيف تمت صباغتها. إن الخضرة في وجهها هذا غير الخضرة في وجهها الآخر، ثم إن أطراف الورقة مزخرفة بمنحنيات متناسقة كثيرة.. وستعود هذه الورقة طينا وتنبثق من ظلمات الأرض مرة أخرى ورقة ناضرة يانعة.. وهى في كل آن من هذه المراحل فقيرة الفقر كله إلى الخالق المصور الذى يتولى إيجادها.. إيجادها وحدها؟ كلا، بل الألوف المؤلفة منها، والألوف المؤلفة في كل بستان وحقل، كان أو يكون. وعدت أقرأ الآية كلها من جديد: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها.. ) إن الجانب المادى فينا- معشر البشر- يجعلنا نحتفى بالأبعاد الحسية الثلاثة- الطول والعرض والعمق وقد تكثرت كذلك بالبعد الرابع الذى لفت أنظارنا إليه"ألكسسى كارل"وهو"الزمن". فعندما نسمع بأحجام الكواكب، والمسافات الشاسعة التى تفصل بينها، والفضاء الرحب الذى تسبح فيه، وسرعة الأشعة التى تصدر عنها عندما أتابع بالخيال المحض هذه الحقائق الثابتة نشعر بأن عظمة الله فوق ما يطيق العقل، وأن ما نعرف من جلاله رشح يسير من بحر موار. وأتلو قوله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير * له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم) . إن البناء الضخم لهذا الكون الذى نعيش في جانب متواضع منه يبهرنا عندما نطالع امتداداته الهائلة. لكن.. هل عالم النمل أقل إثارة لدهشتنا العقلية عندما نتأمل الطريقة التى تحيا بها كل نملة؟. وهل عالم الذرة أقل إثارة لهذه الدهشة عندما نأذن لخيالنا أن ينطلق بلا حدود مع وصف الإخصائيين للعناصر التى تتركب منها الذرة، والقوى الرهيبة المحتبسة فيها؟. ص _118

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت