الصفحة 109 من 253

وإنه لشىء ممجوج مكروه أن يتصور مبدع السموات والأرض، قد تحدد في جسد إنسان أو حيوان كما يزعم بعض الناس في معتقداتهم البدائية التائهة. إن القرآن يتحدث عن الله العلى الكبير فيشعرك بأن قدرته وراء النواة التى تتكون نخلة، وهى في الوقت نفسه وراء الفجر الذى يشق الظلمة ليتحول ظهرا.. ( إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون * فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم ) . وعلى هذا الأساس ينهض الإيمان الحق، وعلى ضوء تلك المعرفة تحيا العلاقة بالله، لأنها علاقة إحساس بوجوده، وملاحظة لصفاته، ومتابعة لآثاره هنا وهناك. وفى هذا الجو وحده يولد مقام"الإحسان". والقرآن الكريم مشحون بالمشاهد التى تعلم الناس"مقام الإحسان"يدرك أنه بلغ في عبوديته لله مدى من الاستغراق والإشراق تنقطع دونه همم الخلائق كافة.. وسنلمح إلى ذلك في مقال تال. والأساس العقلى للشعور بوجود الله يقوم على ما تقرر في علم التوحيد من أن أقسام المعلوم ثلاثة:"واجب"و"مستحيل"و"ممكن". فالواجب يستحق الوجود في ذاته ولا يتصور عدمه. والمستحيل يستحق العدم من ذاته ولا يتصور وجوده. والممكن ما لا يستحق من ذاته عدما ولا وجودا، وإنما يستمد وجوده إن وجد، من واجب الوجود وحده. والعالم كله، ما نعرف منه وما لا نعرف، ما نبصر وما لا نبصر، من هذا القسم الأخير. حياته عارية من غيره، تستوى في ذلك الجراثيم التى تسكن ألوفها المؤلفة رأس إبرة، والكواكب التى تتهادى في دورات الفضاء بين شروق وغروب. إنها جميعا تستعير وجودها وحراكها ونظامها من الله ( الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ..) ص _120

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت