ولا يعنينا أن نتهم البعض بأنه يبطن غير ما يظهر.. وإنما يعنينا أن نعرف: ما الإنسان الذى نسعى لتوطيد مكانته ورفع شأنه؟ وما الإنسانية التى يراد تكريم نوعها وتجاهل الفروق بين بنيها؟. فنحن مثلا لا نحترم الإنسان الذى يهدأ أو يثور، من أجل جسده وحده، ويقيم العالم ويقعده، لتأمين الحياة الأرضية فقط. إن الإنسان الذى ساد هذا الكوكب، ويحاول أن يبسط سيادته على كواكب أخرى، أرقى في نظرنا من أن تكون قصة حياته كقصة حياة حشرة أو دابة. ولو كانت الحشرة في رقى النحلة، أو كانت الدابة في كبر الفيل!. ونحن لا نحترم الإنسانية التى قصارها تقديم السمن والعسل، والغناء والرقص، وفنون المتع الجنسية وغير الجنسية- على أن ذلك كله هو المستوى المنشود لطبقات الناس، المستوى الذى يجب أن يبلغوه جميعا دون استثناء. إن شعار"الإنسان وحده"أصبح داعيا للريبة البالغة، فقد ردده قوم لا يرون الإنسان أكثر من حيوان امتاز برقى فكرى نتيجة تطور زمنى! إننا لا نستطيع أبدا أن نحترم أناسا قطعوا صلتهم بالله، وعدوا الارتباط به تخريفا ووهما.. وقد يكون من حقهم أن يحيوا حتى يعقلوا، وأن تتاح لهم فرص متراخية متطاولة حتى يثوبوا إلى رشدهم، ويعودوا إلى ربهم.. أما أن يقودوا الإنسانية إلى البوار باسم الإنسانية، فهذا ما لا يكون.. ولا أدرى ما قيمة هذه الكلمة إذا كانت دلالتها العقوق والشره، والتنادى من كل صوب على انتهاب الدنيا بالقسمة العادلة أو القسمة الجائرة. إن كلمة الإنسانية تظلم أفدح الظلم عندما تلوكها هذه الأفواه.. إن الإنسانية التى نعطيها فضل حرمة ورعاية هى التى تدرس: العقل والقلب والبدن، وتبحث بأدب تواضع عن الحق والخير، والتى تتناول قضايا الإيمان، وآثاره النفسية والاجتماعية ببصيرة مفتوحة، وحرية واسعة. والدين في نظرنا هو المصدر الأوحد للحقيقة الكاملة في هذا المجال. وإذا كانت تعاليمه غير مسهبة في وصف الإنسان جسدا وروحا، فهى قاطعة في ص