الصفحة 113 من 253

لو كانت الأرض لؤلؤا ومرجانا ما صح أن تكون ذاتا لفه فكيف وهى إلى جانب ذلك حصى وبعر؟ ولو كانت زهرا فهناك الشوك، ولو كانت وفاء وأمانة فهناك الغدر والخيانة. إن الصاروخ المنطلق في مداره شىء غير الإنسان الذى أطلقه، وكذلك العالم شىء غير الرب الذى أبدعه وسيره (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل * له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون ) وأظننا أوضحنا بعد البون بين الإحاطة الإلهية التى يحسها المؤمنون ووحدة الخالق والمخلوق التى يتوهمها الخراصون.. ثم إن العارفين بالله المشاهدين لقيوميته قد يسترقون في حالات من التأمل العميق تطول أو تقصر، والاستغراق العقلى أو النفسى في أمر ما ليس بدعا من شئون الناس. وقد يفجؤنى أحيانا أمر من الأمور، فأحشد له كل ما في كيانى من انتباه إلى أن أفرغ وللعلماء نوادر في ذهولهم العلمى وغلبة بحوثهم على تصوراتهم. وليس مستغربا أن يجتذب الحب الإلهى بعض أولى الألباب فيشغلهم عن ذاتهم وينتقل بهم من مآرب الأرض إلى أشواق السماء.. إلا أن هذه الأحوال عوارض لا تصبغ الحياة الإنسانية طولا وعرضا.. وهى بداهة لا تنال أصحاب السناء الفكرى والنفسى. أى أنها شاركت اكتمال ثقافى وعاطفى، فلا يمكن أن يحسها أهل البلادة والقصور، إن التألق طبيعة الشخصية المتقدة لا الشخصية المعتمة... ويبقى أن نتساءل: ما مدى هذا الاستغراق؟ والجواب: أن لحظات الانتباه الذهنى موقوتة بطبيعتها، فما يزعمه البعض أنه مجذوب طول عمره إلى الحضرة الإلهية دعوى غيرمسلمة. نعم هناك ألوف المؤمنين المتفانين في مرضاة الله، الراغبين إليه، البانين حياتهم وفق مراده، ولكن ذلك شأن غير ما نحن بصدده. والمثال العملى الأكمل للمعرفة التامة والإقبال العظيم على الله يؤخذ من سيرة ص _126

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت