الصفحة 121 من 253

الجلى المتذوق لما سبق الإيمان به عن طريق الإنجيل. على أن تكون هذه المعرفة بوساطة الزهادة أكثر منها بوساطة البحث الإنسانى، وهى مناهج التأمل المرتبط بالتقدم الروحى، أى أنها ترى وتتذوق، ثم تنتهى إلى الاتصال بالإله". ص _133"

ونحن لا ندرى بالضبط حقيقة هذا الاتصال بالله، لكنا لا نقر الخطأ مهما اقترن به من إخلاص وحرارة وعناء. وعقيدة التوحيد التى أطبق المرسلون على تعليمها لا تتحمل بتة أية صورة من التعدد. والتصوف المسيحى المستمد من تعاليم الإنجيل الحالى مختلط يقينا بالحلول والتعدد. والخادم الذى لا يتردد على سيده وحده لا يقبل عمله ولو انكسر صلبه من التفانى أفضل منه خادم يعرف بيت سيده ولو كان قليل الجهد في أداء الواجب. إننى أستغرق في تفكير حزين عندما أتدبر سير نساك الهند وغيرهم من الرهبان، ممن كرسوا حياتهم- أو بتعبير أدق ممن أفنوا ذواتهم- وتجردوا من شهواتهم، تطلعا إلى غاية أكبروها، وظمأ إلى وجود آخر تعشقوه!. لأنه لا بد من أساس عقلى صالح، ومهاد شرعى مقبول كيلا تذهب هذه الشحنات العاطفية عبثا.. ونحن نعلم أن الإلحاد الذى شاع في ميادين العلم والاقتصاد والسياسة والفن وسائر أرجاء الحضارة الحديثة نشأ من اهتزاز الركائز العقلية للدين الذى ألفته أوروبا، ولم تأنس لغيره... وقبل أن نتحدث عن طبيعة التصوف الإسلامى نذكر كلمات"لألكس كاريل"الطبيب الحاذق والعالم البصير، يقرر بها رأيه فيقول:"إن الإحساس الدينى استؤصل استئصالا تاما من الحياة العصرية، وكذلك ألغى النشاط الصوفى من معظم الأديان.. حتى معناه نسى. ومن المحتمل أن مثل هذا التجاهل مسئول عن تدهور الكنائس، لأن قوة الدين تعتمد على تركيز النشاط الصوفى حيثما تنمو الحياة بصفة مستمرة. ومهما يكن من أمر، فإن الإحساس الدينى لا يزال حتى اليوم نشاطا لا مفر منه ص _134"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت