الصفحة 122 من 253

بالنسبة لشعور عدد من الأفراد.. كما أنه يظهر نفسه بين الأشخاص المثقفين ثقافة عالية. ومن العجيب أن أديرة بعض الأديان تضيق بمن يحاولون الدخول إليها من الشبان والشابات الذين ينشدون دخول العالم الروحى عن طريق الزهد والتصوف. وللنشاط الدينى جوانب مختلفة مثل النشاط الأدبى.. وهو يتكون، في أبسط حالاته، من تطلع مبهم نحو قوة تفوق الأشكال المادية والعقلية لعالمنا.. إنه نوع من الصلاة غير المنطوقة، إنه بحث عن جمال أكثر نقاء من الجمال الفنى أو العلمى. لأن حب الجمال يؤدى إلى التصوف. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الطقوس الدينية تقترن بأشكال مختلفة من الفن. ولهذا فمن السهل أن تنقلب الأغنية إلى صلاة. وما زال الجمال الذى ينشده المتصوفون أكثر غنى واتساعا من المثل الأعلى الذى ينشده الفنان.. إنه لا شكل له، ولا يمكن التعبير عنه بأية لغة، ويختفى بداخل أشياء العالم المنظور، وقلما يظهر نفسه. ويتطلب السمو بالعقل نحو الذات العلية التى هى مصدر جميع الأشياء، نحو قوة، هى مركز القوى، نحو الله- جل جلاله- ففى كل حقبة من حقب التاريخ، وفى كل شعب من الشعوب، أشخاص يتمتعون بهذا الإحساس العجيب في درجة عالية... ويكون التصوف المسيحى أعلى أشكال نشاط الدين المسيحى. ويحتوى التصوف، في أعلى درجاته، على فن متقن غاية الإتقان، ونظام دقيق صارم، يبدأ أولا بالزهد، إذ إنه من المستحيل على الإنسان أن يدخل مملكة التصوف من غير التدرب على الزهد في متاع الدنيا، مثلما هو مستحيل على الإنسان أن يصبح رياضيا من غير تدريب بدنى. ولما كان التدريب على الزهد شاقا للغاية، فإن رجالا قلائل جدا هم الذين يملكون الشجاعة الكافية على التقدم للتصوف، فإن الرجل الذى يعتزم القيام بهذه الرحلة الشاقة يجب عليه أن ينبذ متاع هذا العالم.. وأخيرا نفسه. وربما كان عليه بعد ذلك أن يعيش وقتا طويلا في ظلال الليل الروحى. وفى حين أنه ينشد السمو الروحى من خالقه ويحزن لفساد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت