فهرس الكتاب
البهيجة والروائح العاطرة، فإن الأرواح الناشدة للجمال، الهافية للخير الباغية للرضا، تجد ما تريد في آى القرآن وآثار نبيه. حقائق يسجد لها العقل وينفسح لها الصدر في كساء من الأدب الراقى والعرض الشائق، يؤسس الإخلاص والولاء لله وحده. والتصوف الإسلامى، في صورته المقبولة، لا يعدو أن يكون مزيدا من الصلة بالله والاعتصام به والتبتل إليه. وهذا الفضل الملحوظ يجعل العابد عاشقا للصلاة، آلفا للصيام، بذالا للمال، متحليا بالفضائل، نافرا من الدنايا، متحمسا للحق، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر، متخففا من مطالب النفس، متكبرا على إغراء الدنيا، مبتذلا شخصه في خدمة الأمة وإبلاع الرسالة وهداية الخلق، متتبعا لشعب الإيمان كلها يقيمها في نفسه وفيما حوله.. قد تقول: تلكم الخلال هى مطالب الإسلام من كل مسلم! فلا وجه لتخصيصها بفريق دون فريق. ونجيب: لا تخصيص هنالك! وإنما يتفاوت الناس سبقا واقتصادا، ويتفاوتون ضبطا للعاطفة واندفاعا معها.. خذ مثلا هذا السلوك المتفاوت من رجلين عاقلين: لقد أقبل أنس بن النضر للاشتراك في معركة أحد، فأدرك القتال في أسوأ مراحله، المسلمون يصعدون في الجبل فارين، والمشركون يتبعونهم قاتلين منتصرين. وماذا يصنع أنس وحده والحالة هذه؟ إنه لن يغير من هذه المأساة، ولكنه أبى إلا أن يتصدى لقتال الكفار، وأن يقذف بنفسه في غمرات الموت وهو يصيح: إنى أشم ريح الجنة من وراء أحد!.. وتلاشى جسد الشهيد بين سيوف الأعداء... وكان الصحابة يرون هذه الآية نزلت فيه: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) ص _137