الصفحة 125 من 253

كان أنس يستطيع أن يترك منازلة خصوم الله في هذه الآونة متربصا بهم وقتا أنسب، كان يستطيع أن يتراجع وعلى لسانه قول القائل: الله يعلم ما تركت قتالهم حتى علوا فرسى بأشفرمزيد وشممت ريح الموت من تلقائهم في مأزق والخيل لم تتبدد وعلمت أنى إن أقاتل واحدا أقتل ولا يضرر عدوى مشهدى وهذا اعتذار مقبول، وسياسة حسنة للأمور، ولكنه أبى. وما أبى فعله هو ما فعله خالد بن الوليد في معركة مؤتة، فأنقذ به الجيش الإسلامى. في مجال العاطفة الفوارة، والقلب الخفاق بحب الله ورسوله، ولد التصوف الإسلامى الأول، دون أن يحمل هذا العنوان . ولا يتصور عاقل أن يخرج هذا المسلك عن نطاق الكتاب والسنة. بيد أن للعاطفة الإنسانية في كل زمان ومكان اهتزازات تحتاج إلى ضبط، وقد فطن العلماء في هذا الميدان إلى ذلك الاهتزاز من قديم، فأكدوا أن الانحراف قيد أنملة عن الكتاب والسنة يعد عصيانا، ويعزل صاحبه عن الصراط المستقيم. ويظهر أن اسم التصوف لم يعرف إلا في المائة الثانية للهجرة، وكان القوم يلقبون بالزهاد قبل ذلك. وقد عرف أبو حامد التصوف بأنه"تجريد القلب لله تعالى واحتقار ما سواه". وقال عبد القادر الكيلانى في كتاب الفتح الربانى:"الصوفى من صفا باطنه وظاهره بمتابعة كتاب الله، عز وجل، وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم وقال الجنيد وهو سيد المتصوفة: الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى الرسول، صلى الله عليه وسلم ، وقال:"من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، لا يقتدى به في هذا العلم، لأن علمنا ومذهبنا مقيد بالكتاب والسنة". (وقال) أبو يزيد البسطامى لبعض أصحابه:"قم حتى تنظر هذا الرجل الذى قد شهر نفسه بالولاية- وكان رجلا مشهورا بالزهد- فمضينا، فلما خرج من بيته ودخل ، ص _138

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت