فهرس الكتاب
والإنصاف يتقاضانا التمحيص، وميز الخبيث من الطيب. وما ذلك إلا لأنا لم نجد في بقية علوم الدين ما يقوم بوظيفة التربية القلبية والإيقاظ العاطفى للنفس الإنسانية. والإسلام لا يستغنى عن هذا الجانب، أعرف دارسين للدين بارعين في شتى علومه، ولكن قلوبهم خواء، وبواطنهم ما تتحرك فيها إلا غرائز العوام، ومطالب الدنيا.. إن الدين ما ينتفع بألسنة هؤلاء إلا أن تحيا قلوبهم بعد ممات، وتهتز بخشية الله اهتزاز الأرض بالنبات. *** ص _141
ثقافتنا التقليدية تحتاج الى مراجعة أشرنا إلى أن الطريقة التى يواجه بها المسلمون الحياة تحتوى على أغلاط كثيرة. ومرد ذلك إما إلى جهلهم بأمور كان يجب أن يحيطوا بها علما، واما إلى علمهم بأمور على غير وجهها الصحيح. والثقافة التقليدية- وهى التى تصنع عقيدة الأمة ومزاجها وشخصيتها ووجهتها- مسئولة عن ذلك القصور السائد. لأنها تنقص عناصر لا بد منها لتكوين الغذاء العقلى المطلوب للجماهير. ولأنها- خلال القرون الطوال- تضمنت جملة من التصورات والأحكام المعيبة. ولأن ما بها من حقائق ما زال يعرض العرض المنفر، أو يفسر التفسير الناقص. وذلكم هو السر الأول في تخلف العالم الإسلامى خلال الأعصار الأخيرة تخلفا جعل الأوروبيين- منذ عصر الإحياء- ينفردون تقريبا بقيادة القارات الخمس. ومن السخف أن نجعل التصوف المنديل الذى نمسح به أوضارنا، فإن فساد التصوف جزء من الفساد الذى لحق جملة العلوم الدينية، وفى مقدمتها الفقه، والكلام والتفسير، والحديث. وانحطاط التعليم الدينى في هذه المجالات هو المسئول عن تكوين أجيال ضيقة الأفق بينة القصور، لا تتقدم بها دنيا ولا ينتصر بها دين.. لقد كان من إعزاز الله لرسالته الخاتمة أن خلد كتابها وعصمه، كما استبقى محمدا الأسوة الفريدة للكمال الإنسانى، فجعل سنته مصدرا ثانيا للدين بعد قرآنه الكريم. ص _142