الصفحة 131 من 253

ويخيل إلى أنه ليس في مصر الآن علماء برجال الحديث، خبراء في الجرح والتعديل. وقد نشأ عن ذلك أن بلادا إسلامية برمتها يحكمها حديث مكذوب، كحديث"لا تعلموهن الكتابة، ولا تسكنوهن الغرف". يعنى النساء- وكحديث"خير للمرأة ألا ترى رجلا ولا يراها رجل". إن هذه الموضوعات أساس للسلوك في بعض البيئات الإسلامية، أما الأحاديث الصحاح في الموضوع نفسه فطويت أو أولت!!. وللأحاديث الضعيفة- حتى حين يعمل بها في فضائل الأعمال- إيحاءات تستدعى الحذر، ولذلك يجب التنبيه إلى درجتها، حتى لا تعدو المقصود من إيرادها... وكذلك الأحاديث الصحيحة يجب أن يصحبها شرح دقيق، فإن الحديث يفسد إذا أسىء فهمه، أو نقل إلى غيردائرته... وما بنا من ازورار عن سنن الآحاد، معاذ الله، ولكنا نقف منها موقف أسلافنا الأولين من الأئمة المتبوعين، والعلماء الراسخين. وكم في السنة من كنوز روائع تنتظر أن نجليها وأن نضعها في نسق رتيب مع دلالات القرآن الرقيبة والبعيدة. ولعل ما اقترحناه من دراسات فقهية مقارنة على ضوء الكتاب والسنة يفتح باب النظر في فهم الأحاديث، ومعرفة الأساس الذى يجعل أحد الأئمة يؤثر حديثا على آخر. فإن العلم بمواقع الأحاديث الصحيحة يعطى صورة دقيقة لملامح الإسلام، وترتيبا مطلوبا لتعاليمه وفق مكانتها وخطورتها. ونريد هنا أن نفرق بين الحفاظ والمحققين، فإن الحافظ رجل يجيد الاستيعاب والإحصاء، ويحفظ في ذاكرته مخزونا ضخما من الآثار والآراء، إلا أنه ضعيف الوعى بالحقائق الدقيقة، والمرامى البعيدة، ثم هو لا يقرأ ما بين السطور، ولا يملك ملكة النقد..، أما المحقق فرجل يقظ الحس، ذكى النظر، يستخلص الفوائد الكبيرة من الكلمات القلائل- وهو ينظر في حصيلة الحافظ كما ينظر الأستاذ في مسودة لما تنقح بعد. ص _146

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت