فهرس الكتاب
إن الثقافة الإسلامية في القرون الأولى كانت بريئة من هذا الوباء فأنجحت الأمة الكبيرة، ثم جاء بعد ذلك من يقول: زيادة المرء في دنياه نقصان وربحه غير محض الخير خسران فكان هذا الكلام حفرة تردينا فيها، لأن القعود عن الدنيا جريمة، وكاسبها بين أمرين بعد أن يمتلكها: إما أن يسخرها لله، فهذا بأفضل المنازل. واما أن يؤدى الفرائض ويمسك ما لديه من بعد لنفسه وولده وحاضره ومستقبله، فله أجره فيما أنفق وله حقه فيما أمسك. إن حق أى امرئ في دنيا صائنة، كحقه في جسد سليم الحواس، مكتمل الأعضاء... وكل كلام يصرف المسلمين عن هذه الحقائق فهو سخف عقول معتلة، ولغو أقوام لا يوثق بهم في قليل أو كثير. ومما شاع بين الجماهير، وساندته كتب دينية كثيرة، الإيمان بالجبر، تحت عنوان الإيمان بالقدر. وللصوفية جهد كبير غير مشكور في هذا الميدان، وكذلك لغيرهم من المفسرين والمحدثين: ترى هذا المؤمن بالمكتوب لا إرادة له ولا عزم، ولا هدف له ولا اتجاه!.. تراه متماوتا تتقاذفه سراء الحياة وضراؤها، كما تتقاذف اللجج غثاء طافيا!!.. تراه متواكلا ينتظر من"المصادفات"أن تصنع له أى شىء... كافرا بالأسباب والمسببات، أو منافقا في الاعتراف بجدواها، فهو إذا باشرها فتنفيذا للأمر الصادر لا تصديقا بالفائدة المنشودة. وهذه الأحوال النفسية كفر بالدين والدنيا معا، ويستحيل أن تنهض معها أمة.. ص _150