فهرس الكتاب
ولا يمكن أن يخطر ببال جعفر الصادق... ولابن عطاء الله كلمة افتتح بها حكمه المشهورة، قالى:"إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب، من الشهوة الخفية. وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد، انحطاط عن الهمة العلية". وهذه الكلمة عندى تخفيف من قلق ألوف الناس في أعمالهم ووظائفهم. إنك لو سبرت أغوار من حولك، وتعرفت مبلغ رضاهم بما هم فيه، ما وجدت إلا شاكيا مكتوم الشكوى، أو مؤملا محسور الأمل... وأغلبهم يعتقد أنه لو كان في مكان كذا، أو لو تيسر له كذا، لكان أفضل له... وقد يكون بعضهم صادقا ومصيبا، غير أن جمهرتهم لا تحسن الانتفاع الكامل بأوضاعها الحالية.. ولو غلبوا جانب الرضا والتفاؤل لاستثمروا ما هم فيه استثمارا أوسع دائرة، وأوفر حصادا. وعواطف الناس بإزاء ما يواجهها أو ما يفرض عليها، لا تتسم غالبا بالحق، وهذا معنى قوله تعالى: (عسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) إننى أحيانا كنت أنفر من وظيفتى الإدارية وأتمنى العزلة، وأحسد من لديهم ثروة تكفيهم مؤنة الاختلاط بالخلق.. وأحيانا كنت أكره العزلة وأطلب العمل بشدة لأمحو وأثبت ما أرى محوه وإثباته.. وكنت أحيانا أشعر بأن المعزول فار من المعركة، أو أسير سقط عنه التكليف. وكنت أشعر بأن العمل توطيد مكانة ووسيلة خدمة. إن النفس الإنسانية بارعة في مزج رغباتها بالمعنويات الرفيعة وإلباس مآربها ثوب الحق الناصع... أيا ما كان الأمر، فالوسيلة تقوم على إفراغ الوسع في توفير الضمانات التى يراها المرء محققة لخيره، صائنة لحاضره ومستقبله... ص _161