الصفحة 147 من 253

ثم قبول الواقع بعد ذلك دون ضجر مؤذ أو ضيق مغر بالسلبية والعجز. لا، لنثق في الله، ولنسلم له ما أراد، ولنشعر بأن له حكمة أعلى وحكما أنفذ. وفى حدود الإمكانات التى أذن بها نقبل على عملنا جادين راضين.. وليس معنى هذا بداهة أن الدين يأذن بترك الأسباب والتماوت في ميدان الحياة. إذا قلت لمحام ود لو كان طبيبا، أو لكاتب ود لو كان ضابطا: ارض بما قسم الله لك.. فليس معنى هذا أنك تأمره بالانسحاب من الدنيا. المعنى الوحيد أنك تقول له: في نطاق الواقع الذى لا يمكن تغييره، فإن إعادة الفلك الدوار كى تبلغ ما تتمنى مستحيل. ونعود إلى كلمة ابن عطاء الله، إنه يريد أن يقول: إذا قررت السير إلى الله فإنك تستطيع الانطلاق إليه فور قرارك هذا مهما كان المنصب الذى تتولاه، أو الحرفة التى تشتغل بها، أو الحال التى وصلت إليها. وقد تحثك نفسك بأن ترك عمل ما، أو الاشتغال بعمل ما يكون أعون لك على السير، وهذا خطأ. فالتجرد من الأسباب القائمة ضرب من البطالة. والتطلع إلى الاشتغال ببعضها لون من الرغبات المريبة. ذلك معنى قوله:"إرادتك التجريد مع إقامة الله إياك في الأسباب، من الشهوة الخفية. وإرادتك الأسباب مع إقامة الله إياك في التجريد، انحطاط عن الهمة العلية". عش في الواقع، فإذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون. فإرادتك أنت قاصرة ومتهمة، أما إرادة الله لك فحكيمة رحيمة، ولا تتعلق بالمنى، وتبن عليها القصور. وقد عقب ابن عطاء الله كلمته هذه، بكلمة أخرى تتم معناها:"سوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار". وجعفر الصادق، وابن عطاء الله، رجال مربون، وهم يستقون من ينابيع الإسلام، فكلماتهم لا تعدو حدوده. ورياضة النفس بالتجويع- كما أثر عن بعض الرهبان والزهاد قديما- مسألة فيها نظر، ص _162

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت