التفاوت بين التقدم الروحى والتقدم العقلى هناك شعور عام بأن العالم قطع مراحل شاسعة في طريق التقدم العقلى، لكنه تخلف، أو- على إحسان الظن- بقى مكانه من الناحية الروحية. وقد نشأ عن ضمور ملكاته الأدبية، وتضخم قدراته المادية تفاوت مقلق، اختل معه سير القافلة البشرية، واتزانها، وبصرها بما تقبل عليه، أو تحجم عنه. وصارح عدد من المفكرين الكبار بتشاؤمهم من هذا الدوج، كما أن لفيفا ضخما من رجال الدين والأخلاق لا ينقطع جؤارهم من القحط الروحى الذى يسود أرجاء الأرض، والذى يطلق الأفراد والجماعات مسعورة وراء مطالبها الخاصة ، لا يلوى عنانها بشىء. وأريد أن أكون حذرا في تناول هذا الموضوع لا لريبتى في صدقه، بل لرغبتى في استبانة ما ينشده الضائقون بالتقدم المادى والارتقاء العقلى المجرد. إنها غيرة مشكورة أن ننوه بالتسامى النفسى، وأن نحض الناس على العودة إلى الدين، والتشبث بتعاليمه، ولكن يجب أن يكون مفهوما أن الفضائل والعبادات التى قررها الدين لا تعوق ازدهار الحياة وتقدمها المادى. إن الإنسان عقل وقلب، والظن بأن يقظة القلب ما تتم إلا مع خمول الفكر وازدراء الدنيا، خطأ فاحش. وكذلك الظن بأن سيادة العقل ما تتم إلا بتضحية الإيمان وايحائه خطيئة كبيرة. إن الأعصار الأخيرة شهدت نتاجا عقليا رائعا نقل العالم من حال إلى حال. وأريد أن أقرر دون تردد أن جهاد العقل الإنسانى ومكاسبه التى ظفر بها موضع ص _022