احترامنا، وأن هذا الجهاد إذا كان قد مضى في طريقه منفردا، لم يستصحب الدين معه، فليس هو الملوم في ذلك.. فإن كثيرًا من أهل الدين أساءوا إلى ربهم وإلى أنفسهم يوم بخسوا العقل قيمته، وافتعلوا العراقيل أمام حركته. وإذا كانوا اليوم يبكون لمتاعب العالم الروحية، فليس الاستماع إليهم تسليما بوجهة نظرهم في قيادة الحياة حسب ما يتصورون. إن التدين الذى انكمش أمام أقدام العلم، وقبع مكانه ساخطا على ثمرات التقدم المدنى، لا يستحق في نظرنا أن يعطى فرصة أخرى لتخريب الدنيا، وشل نمائها. يجب أن يزداد التفوق العلمى مقدرة على خدمة البشرية، وغاية ما نريد أن يصحبه على الطريق وحى الله وسنا توجيهه، حتى لا يضل أو يزيغ.. لقد أخطأ بعض المتدينين، فظنوا زكاة الروح ما تتم إلا بدمار الجسد. وضمان الآخرة ما يتم إلا بضياع الدنيا. ومضيا مع هذا التفكير الشارد تجهموا لأسباب الحياة والارتقاء، ووقفوا بعيدا يرمقون الحضارة الإنسانية الزاحفة وهى تكبو حينا، وتستقيم حينا آخر. ولعلهم- وهم يستمعون للتنديد بضرورة المادية في العالم- يقولون: ألم نتوجس خيفة من هذا المصير، ونحذركم الانحدار إليه؟. ونحن نقول لهؤلاء: على رسلكم، إن ما تريدون للعالم ليس شرا مما نشكو منه الآن. إن كل تدين يجافى العلم، ويخاصم الفكر، ويرفض عقد صلح شريف مع الحياة، هو تدين فقد كل صلاحيته للبقاء. وما نظن أهل الأرض يحنون للعودة إليه بعد ما منحوا نعمة الخلاص منه. التدين الحقيقى إيمان بالله العظيم، وشعور بالخلافة عنه في الأرض، وتطلع إلى السيادة التى اقتضتها هذه الخلافة.. أعنى السيادة على عناصر الكون وقواه. ولا تتاح هذه السيادة بداهة إلا لعقل ذكى جواب في الآفاق، متطلع إلى اقتحام المجاهل، راغب في تطويعها لمشيئته. ص _023