التدين الحقيقى ليس جسدا مهزولا من طول الجوع والسهر، ولكنه جسد مفعم بالقوة التى تسعفه على أداء الواجبات الثقال، مفعم بالأشواق إلى متاع الحياة. فإن كان حلالا طيبا ارتفقه، وابتهج به، وإن كان كسبا خبيثا ابتعد عنه هو قادر عليه. إن الاستعفاف عن المفقود الميئوس منه ليس تقوى، بل هو كصفح العاجز عن الانتقام لنفسه، لا دلالة فيه على سماحة أو تطول: كل حلم أتى بغير اقتدار حجة لاجىء إليها اللئام وعظمة الإيمان إنما تتألق وسط دنيا يملكها المجتمع المؤمن، ويستطيع الانغماس في فتنتها، ومع ذلك فهو يحكم نفسه، ويحكمها باسم الله. عظمة الإيمان تعتمد ابتداء على فقه في آيات الكون يقف المرء على أسرار الإبداع الأعلى، ويشعره بما يستحقه الخالق الكبير من مجد وحمد. عظمة الإنسان تقوم على نشاط عقلى لا حدود له، يواكبه نشاط روحى لا يقل عنه كفاءة، بل يربوعليه. أما إهزال الفكر الإنسانى، وإضعاف ثماره، حتى يستطيع التدين المعلول أن يملك زمامه، فذاك ما نرفضه كل الرفض. إذا كان عالمنا يشعر بضوائق روحية معنتة في هذه الأيام فالعلاج الفذ ليس شجب التقدم العسكرى والصناعى، ولكن جعل هذا كله في وصاية"إيمان"ممدود المفهوم، رحب الدائرة، يؤمن بالإنسان عقلا وقلبا، ويستمد إيمانه ذاك من معرفته بالله واستمساكه بهداه.. أما تصور التقدم الروحى على أنه استرخاء فكرى.. يجر سبات الليل إلى سحابة النهار، أو عودة بالإنسان إلى عالم من الرؤى والفنون الحالمة والآداب الهائمة، فهذا ليس تقدما بالحياة، ولكنه عوج من طراز آخر.. فلنعد- بعد هذا التنبيه- إلى سماع الشكوى من الأزمة الروحية في عالمنا الحاضر.. إنها شكوى صادقة كل الصدق، فإن الحضارة الحديثة تقوم على عبادة الحياة الدنيا، والاستكثار جهد الطاقة من لذاتها، أو التسابق المضنى لجمع حطامها. ص _024