الصفحة 18 من 253

أما الصلة بالله فهى- مع ضعفها البالغ- ما تظهر في وعى الناس إلا لماما، وقلما كمن الإيمان بالله وراء نية باعثة، أو اقتران بغاية كريمة. ودعك من الحديث عن اليوم الآخر، فإن ذكر ذلك في مجتمع جاد أمر يثير الدهشة والتهمة!. وعواصم أوروبا وأمريكا- وهى مصدر النظم المدنية التى تسود الأرض الآن- سواء في هذا المعنى.. فالعالم الشيوعى الشرقى، والعالم الرأسمالى الغربى قد يختلف أحدهما عن الآخر في أسلوب الحياة، ولكنه يوافقه في أن الحياة مقصودة لذاتها، وأن ما وراءها وهم، وهذه الوثنية الجديدة- أعنى عبادة الحياة وحسب- هى الطابع الدميم للحضارة الحديثة، وقد تناول المؤرخ الإنكليزى الكبير"توينبى"هذه الحقيقة بعبارات استرعت انتباهنا، قال:"إنى أشعر بانحسار الأديان الكبرى المعروفة، وظهور عبادة"القوة البشرية"مرة أخرها في العالم الحديث.. ظهرت هذه العبادة في شكليها التقليديين: شكل عبادة الدولة المحلية ، أو عبادة الدولة العالمية"."وعبادة الدولة المحلية تظهر جلية في النزعات القومية، بينما تتمثل عبادة المجتمع العالمى إلى حد ما في الشيوعية، وفى الأمل الذى يداعب الكثيرين نحو تحقيق ضرب من الوحدة العالمية أو الحكومة العالمية". و"عبادة القوة البشرية"كما عبر المؤرخ الإنكليزى كلمة تحتاج إلى إيضاح، إذ المفروض في منطق التدين أن يكون ولاء المرء لفه واتجاهه إليه. ومن الوحى الإلهى يأخذ الناس قواعد سلوكهم ولون حياتهم. وكل مؤمن بالله يحيا على ظهر الأرض مرتبط الشعور والفكر به على نحو قوى أو ضعيف. وهو إن نأى عنه بانحراف ما، يعلم أن المصير إليه يوما. ولهذا العلم أثره العاجل والآجل. فماذا تقلص هذا الوعى الدينى عن الحياة الإنسانية رجع البشر في صوغ حياتهم إلى مزيج من نداء الغريزة ووحى العقل. ولطباع الناس وأفكارهم منازع وغايات شتى، وقد افترقت في العصر الحديث إلى تيارين متميزين: أولهما التيار الغربى القائم على فلسفة التفوق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت