الجنسى، واحتضان ص _025
المواهب الخاصة في ظل قوميات ديمقراطية، واستعلاء عنصرى يجتاح الأمم المتخلفة، ويديرها طوعا أو كرها في فلكه. والآخر التيار الشيوعى القائم على تسويد الطبقات العاملة، وتذويب الفروق القومية وإخضاع مواهب الأفراد الممتازين لمصلحة الدولة وحدها.. وفى كلا التيارين تتضاءل أو تتلاشى صلة الأرض بالسماء، وتنحصر الأفراد والجماعات داخل مآربها الخاصة، ويتكوم الجهد الإنسانى كله وراء المنفعة العاجلة.. وقد يعنى المرء بأهله وقومه، كما تعنى أسراب الطيور مثلا بمصلحتها العامة.. بيد أن الحياة الدنيا، هى أولا وأخيرا محور هذا النشاط، ومثار هذه القوة.. قال"توينبى":"وإنى أفترض أن هذه الصور لعبادة القوة البشرية الجماعية تشمل 90% من الشعور الدينى أو 95% من سكان العالم في الوقت الحاضر". ثم قال:"والواقع أن الارتكاس في عبادة القوة البشرية الجماعية بنوعيها السابقين هو السبب الحقيقى للمتاعب والاضطرابات التى تنشب بين الناس. إن الأديان الكبرى جميعا مهملة آخذة في التلاشى، وربما توقف مستقبل الجنس البشرى على عودتها إلى السيطرة أو عجزها عن ذلك". وكلام هذا المؤرخ الكبير يشير من قرب إلى موضع الداء في الحضارة الحديثة. فالناس يدورون حول أنفسهم، ولا يعرفون إلا يومهم هذا.. وحديثه عن الشيوعية مسلم به كله، لأنها مذهب ظاهر الكفر بالله ووحيه. أما القوميات، فلعله ابتداء يقصد النزعات العنصرية الحادة التى عرفتها وما تزال تعرفها أوروبا وأمريكا. ولكن هذه النزعات تسللت مع الغزو الثقافى إلى العالم الإسلامى، ومزقته شر ممزق.. ولما كانت هذه القوميات ذات مفهوم أجوف فارع فإن المتعصبين لها يحشونه بأهوائهم التى لا خير فيها قط، وربما قبل هؤلاء المتعصبون للجنس أو اللون أن يستضيفوا الدين حينا من الزمن، بيد أنهم لا يسمحون له أبدا أن يكون رب البيت، إنه ضيف موقوت الإقامة، يجوز طرده إن تجاوز حده!!. ص _026