الصفحة 153 من 253

فن العزلة والاختلاط في هذا العصر اختفت تقريبا المذاهب الداعية إلى الانطواء على النفس والعزلة عن المجتمع. وربما بقيت في مجال النزعات الخاصة بعض آثار الاستيحاش من الخلق. والابتئاس بالخلطة لكن هذه البقايا لاتؤثر في قيمة الاتجاه الإنسانى العام إلى التعاون والاختلاط، وبناء السلوك البشرى على الإيلاف والاستئناس. ونحن راضون عن هذا الاتجاه الجماعى الودود، فإن الانكماش عن الحياة العامة ليس شارة صلاح ولا طريق إصلاح، بل قد يكون دليل ضعف وانهزام، أو نشدائا للراحة مع ترك الدنيا تموج بما تموج به. ورسل الله لم يتركوا الجماعات البشرية تسير حبلها على غاربها ويقبعوا في صوامع قصية يتأملون ويتألمون! كلا.. لقد عاركوا الشر وعالجوا أسبابه وتحملوا بجلادة ما تركه هذا العراك في أنفسهم وأهليهم من أحزان وكروب ولم يكن هناك بد من المسلك.. فإن الأفراد يعيشون غالبا وفق التقاليد والعادات الشائعة في الأمة ويبنون مكانتهم ووجاهتهم على الانسجام معها.. وهذه التقاليد والعادات كثيرا ما تغلب فطرة الله في الأنفس وتعمى عن رؤية آياته في الآفاق فتنشأ الأجيال المقبلة بعيدة عن الصلاح والاستقامة بحكم منابتها التى خرجت منها.. ومن ثم فلا طريق لنصرة الحق وغلبة الخير إلا بالجهاد المضنى لجعل عادة حسنة تغلب عادة رديئة وتقليدا صالحا يغلب تقليدا فاسدا وتيارا نقيا يغلب تيارا ملوثا.. وتلك هى الغاية من جهاد الدعوة. ص _168

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت