الصفحة 154 من 253

ولعل الثواب العظيم المرصد لخطوات المجاهدين يرجع إلى عظم آثارهم في الحياة وامتداد النفع بكفاحهم المادى والأدبى.. ومن ثم فإن العباد العاكفين على طاعة الله في قمة جبل أو في جوف غابة يطالعون من بعد غبار المعركة بين الحق والباطل أو يبأسون من نتائجها ويسترجعون من متابعها!. هؤلاء في الحقيتهة ناس واهنو العزم والإيمان هابطو المكانة في الدنيا والآخرة. بل ربما لقى بعضهم الله بإثم الفار من الزحف أو القاعد وراء المجاهدين. إن الإسلام يمد أبناءه بفيض من اليقين يتجاوز أشخاصهم إلى ما حولها فهم يتركون طابعهم كله أو بعضهم على بيئتهم.. وإذا استعصت مواطن الشر على هذا الإيحاء الكريم فهى أعجز من أن تبسط ظلمتها على القلوب المشرقة، وهى أعجز من أن تكرهها على الفرار والتوارى عن الأعين.. وسيبقى أهل التقى في جنح الليل السائد منارات قائمة تومض بالحق فتهدى وتنجى.. ومع هذه المعانى التى شرحناها فنحن نقرر أن المرء تمر به فترات يحتاج فيها إلى أن يخلو بنفسه وينأى عن الناس بجانبه ويراجع في صمت العزلة ما له وما عليه.. ما أحسن وما أساء.. ما يفعل وما يترك.. إن ضجيج المجتمعات أحيانا يفقد الإنسان وعيه أو يكاد.. وأظن أنه قد يثبت علميا أن مستوى الذكاء في زحام الجماهير يهبط وأن التجمعات المنطلقة يحكمها رأى عام يشبه"متوسط المحصول".. ومتوسط المحصول يتلاشى فيه الإنتاج العالى في جوار الإنتاج الردىء إذ تذهب زيادة المحصول هذا في نقص ذاك.. ومن ثم وجدنا كثيرا من الناس ينشدون أن يخلوا بأنفسهم ليستعيدوا في خلوتهم حدة بصيرتهم وتألق أذهانهم. وما يستغنى أولو النهى عن هذه الساعات الغالية لا ليستجمعوا فيها بل لتثوب إليهم مواهبهم وترجع خصائصهم ثم يواجهوا الدنيا بحقيقتهم الكاملة.. ص _169

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت