الصفحة 155 من 253

وفى الجاهلية الأولى رغب النبى صلى الله عليه وسلم في العزلة فكان يهجر أم القرى إلى غار متفرد في جبل أشم ينقطع دونه لغو الناس وإثمهم. وكان النبى الكريم يحاول في سكينة الغار أن يقترب من الحقيقة التى ضل عنها عالم غريق في الشرك والعصيان. وقد طلع عليه فجر الوحى في أيام تحنثه واستراحة فؤاده الشريف إلى حياة التأمل العميق. فلما حمل أعباء الرسالة وشرع يخلص العالم من قيود الخرافة وآثار البغى كان يستعين على جهاد الجماهير الشكسة النافرة بالساعات التى يخلو فيها إلى ربه، ويبصر فيها نفسه وما يعمل وما يلقى. وقد استحب لأصحابه- رضوان الله عليهم- أن ينسحبوا بين الحين والحين من مشاغل العيش ومشكلات الأهل والولد وأن يفروا إلى الله في بيته ويعكفوا على عبادته. والاعتكاف في المسجد إطراح موقوت لشئون الدنيا وإقبال! مضاعف على شئون الآخرة وإنابة جادة إلى الله يشترك فيها الشعور واللسان والظاهر والباطن.. وإذا كانت أيام رمضان قد اجتذبت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غار حراء راغبا راهبا ذاكرا قانتا فإن هذه الأيام نفسها قد علقت قلبه- بعد الوحى- بالمسجد يأوى إليه ويتحنث فيه هو وصحبه الأبرار. وقد شهد المسجد النبوى بالمدينة المنورة ليالى وضيئة لأولئك العابدين المنقطعين إلى الله، الآملين فيه، المعتزين به.. فلنطالع هذه الصورة الطريفة من مرويات البخارى ومسلم. قال أبو سعيد الخدرى: اعتكف رسول الله، صلى الله عليه وسلم في العشر الأول من رمضان واعتكفنا معه فأتاه جبريل فقال له: إن الذى تطلب أمامك."فاعتكف العشر الأوسط فاعتكفنا معه فأتاه جبريل فقال: الذى تطلب أمامك"."ثم قام النبى صلى الله عليه وسلم خطيبا صبيحة عشرين من رمضان فقال:"من كان اعتكف معى فليرجع فإنى رأيت ليلة القدر وإنى أنسيتها وإنها في العشر الأواخر في وتر وإنى رأيت كأنى أسجد في طين وماء". ص _170"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت