الصفحة 162 من 253

والتسبيح العملى للناس يقوم على ربط الأفعال بما ينبغى لله من كمال. ذلك أن الصغار قد تفرض عليهم طباعهم الصغيرة أن يسيئوا الظن بالله، فيتصوروا فيه أن يخلف وعده أو يحيف على عباده!!. ويدفعهم هذا التصور المريض إلى اقتراف ما لا يليق، ولو حسنت معرفتهم بالله وسجوده عما تخيلوا نسبته إليه لكان عملهم أصلح وسلوكهم أرشد... تدبر قصة أصحاب الجنة التى ذكرها رب العالمين في كتابه... هؤلاء قوم غلبتهم الأثرة، وداخلهم الشح وأجمعوا أمرهم على أن يجنوا ثمرة بستانهم في غفلة من الفقراء، حتى لا يطالبوهم بشىء حين الحصاد.. إن أولئك الأغنياء لا يرون أن يشركوا معهم أحدا في فضل الله عليهم، فهم يرون أن الله قصد إلى إتعاس الفقراء لما قدر عليهم رزقه، وقصد إلى تنعيم الأثرياء لما بسط عليهم خيره!!. ومن ثم فقد مضوا مع سوء ظنهم بالله، وانطلقوا إلى بستانهم ليستأثروا بجناه، ولكن القدر كان أسبق منهم إلى العقاب الموجع (فانطلقوا وهم يتخافتون * أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين* وغدوا على حرد قادرين* فلما رأوها قالوا إنا لضالون * بل نحن محرومون * قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون * قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين ) كان الله قد أهلك ثمارهم، وأضاع آمالهم فشعروا عند الحرمان بسوء صنيعهم وتذكروا صوت الناصح الذى خوفهم بالله حتى لا يبخلوا، والذى زين لهم الكرم، وعلقهم بوعد الله للكرام ألا يحرموا. (ألم أقل لكم لولا تسبحون) وجمهرة العصاة والمفرطين تقع بين نسيان لله، وريبة في وعده، ولو صدقت معرفتهم، وطلع على نفوسهم شعاع من أسمائه الحسنى، لتهذب سلوكهم، وصلح عملهم. ومما يتصل بهذا المعنى- أى تحول التسبيح من قول باللسان إلى شعور في القلب، إلى رفعة في السلوك- أن يضبط الملم مشاعره في السراء والضراء، ويربطها بمشيئة الله. فإن أصابه شر لم يسخط على الزمان ويسب الأيام!!. ص _177

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت