فهرس الكتاب
لكن مدح الله شأن آخر، إنه حقائق من الألف إلى الياء... أليس من حق مخترع السموات والأرض أن يعرف بأنه البديع؟. أليس من حق القيم على شئون الحياة المنفق على جماهير الأحياء أن يعرف بأنه الحى القيوم الكريم المنان؟. بلى، واستبطان هذا المعنى، وإعلانه مدح حق، وهو بعض ما ينبغى له، جل شأنه، من تحميد وتمجيد. في سورة الرحمن تطواف سريع بالعالم من بدئه إلى منتهاه، وعرض لأحوال الخلق منذ اتجه إليهم التكليف إلى أن لاقوا ما يستحقون من جزاء. ولما كانت السورة في نحو صفحتين، فإن هذه الرحلة العاجلة سجلت إيماءات فتط إلى آيات الله ونعمه. وبين كل إيماءة وأخرى يقول الله للإنس والجن في تساؤل حافل بالملام والتقريع: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) . والواقع أن كنود البشر لفضل الله كثير كثرة هذا الفضل، فلا عجب إذا ترادف الاستفهام وتكرر لأنه علاج داء عضال، ولفت إلى حق واضح مهدر، بين مضيع!.. (وقليل من عبادي الشكور) وقد لاحظنا أن الاستفهام كان يتخلل الجمل التى تتلاحق في بيان معنى واحد، وكأن هذا الاستفهام بعد جزء من الكلام مسوق لاستثارة الشكر ومدافعة العقوق على آكد وجه. ومن هنا تتابع هذا التساؤل: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) . جاء في صفوة البيان لمعانى القرآن: عدد الله في هذه السورة كثيرا من نعمائه، وذكر خلقه بعظيم من آلائه، ثم أتبع كل خلة وصفها ونعمة وضعها بهذه الآية الكريمة، فذكرها في واحد وثلاثين موضعا، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين لينبههم إلى هاتيك النعم ويقررها بها، ويقيم عليهم الحجة عند جحودها. ص _181