فهرس الكتاب
ومن العبث تصور التسبيح والتحميد حركة شفتين واضطراب لسان.. إنه تفتح قلب، واتضاح غاية، وسفر نفس إلى بارئها، فالليل والنهار خطوات سير ومراحل طريق. *** وكلمة الإخلاص هنا- وهى كلمة لا إله إلا الله- هى الحادى الذى لا يمل نداؤه، ولا يتلاشى صداه... وعندما يرددها المؤمن فهو يقصد أمرين: أولهما: إحقاق الحق وإبطال الباطل، فإنه في واقع الأمر لا يوجد غير إله واحد هو الله الواحد القهار، وما عداه وهم عقول مختلة، أو خداع حواس معتلة. وا لآخر: ضبط السلوك البشرى، داخل نطاق هذا التوحيد فيكون استنصار الإنسان بالله، واسترزاقه وتوكله وأمله وأمنه وغير ذلك من المعانى. وهذا أمر يحتاج إلى إيضاح، فإن الله خبأ مفاتيح قدرته تحت جملة من الأسباب العادية، سواء أكانت هذه الأسباب كونية أو إنسانية... والمسلم حين يباشر هذه الأسباب- ولا يدمن مباشرتها- لا يجوز أن يحتجب بها عن الحقيقة العليا، ولا أن يظن مرد الأمور إليها- فإن الله محيط بالأشخاص والأشياء، وهو الذى يمنح هذه الوسائل صلاحيتها للعمل، ورقدرتها على الإنتاج. ثم إن لديه، جل اسمه، أسبابا أخرى لا نعلمها ولا نقدر عليها تجعل ما بأيدينا صفرا (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين) . (قل أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله غير الله يأتيكم به ) لذلك يجب أن تمتد أشعة التوحيد المطلق في أرجاء النفس، فلا تجعل شيئا ما يحول بين المرء وربه. ويجب أن يشعر المسلم من أعماق قلبه أن ما دون الله هباء، فلا ترعه سطوة سلطان، ولا تخدعه ثروة غنى. ص _185