فهرس الكتاب
لقد هاجموه بكل سلاح، وكان غيظ قلوبهم شديدا ومع ذلك فقد انقطعت الأمانى دون غمزه بشىء قط، تصريحا أوتلميحا. كان رواء الصدق يتألق في جبينه أبدا، ما تخلف في جاهلية ولا إسلام. ونستطيع أن نصف هذه السنين الأربعين بأنها تمثل حياة رجل نقى المعدن، شريف السيرة، يعرف بكل خير، ولا يعرف بشر أبدا. يكابد السعى وراء رزقه، فيرعى الغنم صغيرا ويضرب في الأرض كبيرا. والاختلاط بالناس في هذه الميادين قاس للنفس البشرية، وقد خرج محمد من هذه الظروف جميعا موفور العصمة والفطنة، عايش قومه في نطاق الضرورة الماسة، واعتزلهم في جبال مكة ينشد في صمتها وعزلتها راحة القلب واللب، حتى تجلى عليه الحق في غار حراء. ويومئذ عرف أن رب العالمين قد اصطفاه لأمر عظيم! لقد أضحى واحدا من أنبياء الله، بل إن الأمر على مر الأيام قد بدأ أعظم من ذلك، أن الوحى الذى استقبل كلماته الأولى كان طليعة رسالة تستغرق الدهور الباقية من عمر الحياة، وتستوعب القارات الغاصة بالعمران، وتتناول شئون الناس بالتوجيه والفتوى، فلا تترك عقدة مبهمة، ولا طريقا حائلا (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) وكما يتحول الجنين- بعد نفخ الروح فيه- خلقا آخر، تتحول حياة المرسلين- بعد استقبال الوحى- نسقا آخر، لحمته وسداه هذا الضياء الهادى الهابط من السماء. ومحمد، عليه الصلاة والسلام، عندما شرع يستدرج القرآن بين جنبيه كان قبل غيره من الناس أول من ينتفع، ويرتفع بما تضمنه من صدق وجلال، وخير ومرحمة. إن الرجل الذى خلت فطرته من شهوات الأرض وأكدار الدنيا، انتشرت في أرجائه الباطنة شعاعات الوحى، فهى تبرق في شمائله ومسالكه كما تتلألأ الآفاق في صحوة صافية.. وقد أومأت السيدة عائشة إلى هذا المعنى عندما سئلت عن خلق رسول الله، فقالت: كان خلقه القرآن ص _195