فهرس الكتاب
إننا نقف عند هذه العبارة طويلا لندرك غورها... فالقرآن قبل أن يكون معجزة الرسالة الخاتمة هو مجمع ما حفلت به من عقائد وعبادات وآداب ومعاملات، وما استعرضته من قصص وبراهين، ونظرات كونية ونفسية. ونبى القرآن كان في حياته الخاصة المثال الأول، والأزكى، والأرقى، لكل ما أوصى به الله ووجه إليه العباد. أمر الله بفرائض، وحث على نوافل، وأحل حلالا، وحرم حراما، ووضع حدودا، وساق عبرا. إنك واجد ذلك كله"نظريا"فى كتاب الله، ولكنك واجد التنفيذ"العملى"له ظاهرا وباطنا في سيرة محمد نبى القرآن. فمعرفة الله مثلا أمر عام للخلائق كافة، بيد أن العارف الأعظم لله، والذى تنضح هذه المعرفة على سريرته وعلانيته، وتطرد من بؤرة الشعور إلى حاشية الشعور إلى شبه الشعور إلى اللاشعور، المعرفة في أوجها المطلق وقمتها الفارعة تبدو أول! ما تبدو في خلق محمد. والصلاة مثلا فريضة عامة على المؤمنين، بيد أن المصلى الساجد القلب قبل الجوارح، القرير العين بين يدى ربه، كلما أذن مؤذن للصلاة، المستريح إليها من وعثاء الدنيا ومشاغل التراب، الصادح بها في هدأة الليل، ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه... هو محمد نبى القرآن. إن أشخاص الأنبياء ليست جسورا لهدايات السماء وحسب، كلا، إنهم ترجمة عملية لمراد الله من خلقه. ويمتاز محمد، عليه الصلاة والسلام، بأنه قدم للبشر أكبر مجموعة من النماذج العملية للإنسانية الفاضلة، والعبودية المخلصة. والثلاثة وعشرون سنة التى استوعبت نزول القرآن الكريم استوعبت كذلك أطوار سيرة عامرة بالحب والبغض في الله، بالسلم والحرب، بالشدة والرخاء، بالسفر والإقامة، بمعاناة كل ما يعرو النفس الإنسانية من أحوال وما يفرض عليها من قيود، وما تمحص به من تجارب. ص _196