الصفحة 180 من 253

ومن هنا كانت سيرة الرسول وسنته من قول أو فعل، أو حكم، أو تقرير، دينا يتبع، فما كان منها قرآنا فهو ظاهر، وإلا فهو نضح التخلق بالقرآن، والاصطباغ بهداه، والاستقامة مع غاياته. والأنبياء قبل أن يبعثوا لا يخطر بأنفسهم شىء عن مستقبلهم المغيب. وإنى لأشعر بكلال ذهنى وأنا أتصور هذا الرسول يحفظ أحرف الوحى في السور الطوال التى تنزل عليه، ثم بعد هذا الاستظهار الرائق، تبدأ"عملية"تحويل القرآن إلى خلق شخصى، ومسلك نفسى، واجتماعى، وهى عملية تصاحب تلاوته على الناس، وأخذهم بحدوده ومعالمه وحلاله وحرامه. لقد صح أن سورة الأنعام نزلت جملة واحدة!!!. أى وعى حاد مستوفز التقط هذه الصفحات الطوال، واستطال إشراقه حتى أحاط بها بدءا ونهاية، وامتد انتباهه حتى بقى التسجيل دون أن يفلت حرف أو تغيب كلمة؟؟؟. ثم نتجاوز ذلك المظهر لتلقى الوحى، إلى استنارة صاحبه به، وإقامة حياته خلجة خلجة، وخطوة خطوة على أساسه. فهو يتقلب في جو من مصاحبة الله، كما ينطلق أحدنا في طريق مشمس طويل مغمور بوضح النهار من كل ناحية. ولقد صور القرآن الكريم طبيعة الخلق النبوى الشامل، في هذه الآية: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) أبلغت الإنسانية في واحد من أبنائها مثل هذا المجد السامق؟ مجد الاستغراق في الحق والانطباع بآياته، والانطلاق بها في جنبات الأرض لتكون شريعة حاكمة، وبصيرة هادية؟. هذا وأبيك المجد، الذى عرفه التاريخ لمحمد، وقدمه به على المستقدمين والمستأخرين... ص _197

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت