الصفحة 186 من 253

هذا مادى لا يعترف بإثارة من روحانية في الأرض ولا في السماء، وهذا يوغل فيما وراء المادة حتى ليضفى القداسة على الأوهام، فيرى الألوهية حالة في نوع من الدواب أو في لقم من الخبز!. وقد جاء الإسلام يعلن عن إله واحد، خلق كل شىء، وتنزه عن مشابهة شىء: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير * له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إنه بكل شيء عليم ) . والتوحيد المطلق هو الحق الذى غالى به الإسلام وبسط آياته في كل أفق. والعلاقة الوحيدة الصحيحة بين الناس ورب الناس هى إسلام الوجه له، وإحسان الاستمداد منه والاعتماد عليه واعتبار الدنيا مهادا للآخرة وجهادا لكسبها. ولكن جمعا غفيرا من الخلائق عاش على الأرض مقطوع الصلة بالله، لا يعرفه ألبتة، أو يعرفه معرفة مشوهة رديئة. وهذا الكفران حرم ذويه من رؤية الحق، والانتفاع بهداه والظفر ببركته، فكيف يقضون على الأرض أعمارهم ثم كيف يلقون بعد ذلك ربهم؟. أما الآخرة فقد خسروها، وأما الدنيا فإن ما ينالون منها قل أو كثر لا غناء فيه: (ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد ) ( ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم ) لقد كانت بعثة محمد، عليه الصلاة والسلام، إنقاذا من هذا الإلحاد؟ عواقبه الشائنة، لأنها عرفت الناس بالله على أصدق وجه وبأقوى دليل.. ولم أعرف- فيما قرأت- بشرا مثل محمد، وجه الفكر الإنسانى إلى العلم بالله وملأ القلب الإنسانى بالخشوع لله، ثم عن طريق العلم والأدب شرح قضية الوجود، ووظيفة المرء في الحياة، شرحا عامرا بالصدق والجمال. ص _204

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت