الصفحة 189 من 253

فإن اختلافهم في المواهب الفطرية والأوضاع الاجتماعية مثار امتحان بالغ القسوة، ولذلك قال جل شأنه: (وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا ) هناك الغنى والفقير، والعالم والجاهل، والقوى والضعيف، والمرموق والغامض، والأسود والأبيض.... إلخ. فعلام تدور العلائق بين أولئك جميعا. لقد قرر الإسلام ابتداء أنه ما من إنسان إلا وهو مختبر بما أوتى من مواهب وأحيط به من ملابسات. وإن إرادته للتسامى أو إيثاره للهبوط هما اللذان يقرران عند الله مصيره.. (كل امرئ بما كسب رهين ) فالتصرف في المال، لا المال نفسه، هو الذى يحدد مستقبل الإنسان، والتصرف في العلم، لا العلم نفسه، هو الذى يحدد مكانته. ومعنى ذلك أن الغنى لا بد أن يعين الفقير وإلا سقط، وأن العالم لا بد أن ينير الجاهل وإلا هوى. فمن حبس فضل ذكائه وثرائه عن الناس زل عن درجة التقوى، ولم ينفعه ما كسب في الدنيا من مال وجاه. وعلى الطرف الثانى أن يسعى للخير ويستكمل الرشد دون حقد أو غضاضة:"وليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه". الناس- في منطق الإسلام- فروع شجرة واحدة، وأساس الصلة بينهم التعارف والتعاون، والله، جل شأنه- برحمته- مع الوالد حتى يوفر له البر، ومع الولد حتى يضمن له الحياة والتربية، ومع الحائر حتى يسوق له الهداية . والدنيا دار اختبار، وللاختبار مطالبه ومظاهره وظروفه. ولكن الإسلام في حومة هذا الامتحان يذكر الناس بضرورة التراحم بينهم، وكبح ما تخلفه الأثرة من قسوة في القلب وبلادة في الحس.. ص _207

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت