الصفحة 24 من 253

إنما حديثنا هنا إلى كثير من أولى العقل الذكى، والفكر النير ممن يحترمون المنطق، وينحنون للدليل، ولكنهم لأمر ما سمحوا لأفكار شتى أن تتسرب إلى نفوسهم، وأن تؤثر في سلوكهم دون وعى كامل ونقد حصيف. والزلل الفكرى لهؤلاء الكبار بعيد المدى. وأشيع ما يكون هذا الزلل بين المبرزين في فن ما عندما يتكلمون في فن آخر. إن الرجل قد يتبوأ القمة في علم الطب، فإذا تحدث في التشريع أو اللغة وقع فيما لا تقع فيه الناشئة، وبعض المخترعين تحدث في الدين بكلمات تثير الضحك، وأبدى آراء لا وزن لها. وإذا تركنا ميادين التخصص العلمى المختلفة وجدنا أنفسنا أمام عوائق أخرى دون الحقيقة المجردة. إن العلماء في ميدان واحد قد يبدءون البحث من أساس هو موضع ثقتهم التامة، مع أن هذا الأساس نفسه مدخول خادع. وما أكثر الوراثات والإشاعات والأفهام التى لا تثبت على التمحيص. وهى عند أصحابها عقائد مكينة.. ومن ثم فنحن أحوج ما نكون إلى المنطق العلمى الصارم في تقويم كل شىء، وترتيبه حسب منزلته من اليقين. يقول"ألكسيس كاريل":"فى جميع الأزمان كانت الإنسانية تتأمل نفسها من خلال منظار ملون بالمبادئ والمعتقدات والأوهام.. فيجب أن تهمل هذه الأفكار الزائفة غير الصحيحة".. ومنذ أمد بعيد أشار"كلود برنار"فى كتاباته الداعية إلى التحرر الفكرى، إلى ضرورة التخلص من النظم الفلسفية والعلمية السائدة كما يفعل الإنسان حينما يحطم سلاسل العبودية العقلية، ولكن بلوغ مثل هذه الحرية لم يتحقق بعد، لأن البيولوجين والمعلمين والاقتصاديين وعلماء الاجتماع.. كانوا إذا واجهتهم مشكلات شديدة التعقيد.. غالبا ما يستجيبون للإغراء الذى يستحوذ عليهم لكى يبنوا نظريات، ثم يقلبوها بعد ذلك إلى معتقدات، ومن ثم فقد تبلورت علومهم على شكل تراكيب شأنهم في ذلك شأن المتعصبين للديانات. إننا نلافى كثيرا من دواعى التعب بسبب هذه الأخطاء في جميع نواحى المعرفة. ونحن نود لو عولجت الآراء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت