والمقترحات والمذاهب بأقصى ما لدى البشر من ذكاء وتجرد وحرية، فإن الأوهام بين الناس أكتر من الحقائق، ولو كانت الظنون العلمية ص _033
والاجتماعية والدينية تتساقط من أذهان أصحابها كما يتساقط ورق الشجر في فصل الخريف، لعريت عقول كثيرة مما يتماسك بها، وما يطلبه مؤلف"الإنسان ذلك المجهول"هو ما سلكه كبار العلماء عندنا. إن نشدان اليقين هو غاية المفكرين المسلمين في مزدحم الآراء التى تلقاهم، لا شك أن القرآن الكريم من وراء هذا السعى الحميد. وتأمل في هذه الآيات التى تجمع الرذائل الفكرية والنفسية لأى رأى نحذر من مفارقتها"قتل الخراصون * الذين هم في غمرة ساهون * يسألون أيان يوم الدين". التخرص، والانغماس في الغفلة، والسهو عن الواقع، هذه آفات لا تنتج حقيقة أبدا. ومثلها غفلة الحواس وذهولها"إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد". فكم من حاضر الجسم غائب اللب؟ أترى ذلك يعى ما أمامه؟"فذرهم في غمرتهم حتى حين * أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون". المرء المغمور بصور مادية ومعنوية معينة قلما يخرج من محبسه ليدرك مشاهد أخرى للحياة، أو جوانب من الحق لا يحسها. إلا أن تداركه أقدار حسنة، فتتيح له أن يعرف ما كان يجهل. والحضارة الإسلامية في أعصار إزدهارها، وقربها"من منابعها، كانت تلمع فيها هذه الصبغة الباهرة، صبغة التجرد للحق، والبحث عن اليقين. ولنتناول طرفا من حياة"الغزالى الكبير"كنموذج إسلامى في مجتمع شبيه بعصرنا هذا، كانت الأفكار فيه والمذاهب تتصارع في كل قرية ومدينة، إذ إن الثقافات الأجنبية العالمية تمت ترجمتها تقريبا إلى العربية في الوقت الذى بلغت فيه علوم الدين واللغة مرتبة الاستقرار، وشاع الجدل العلمى في كل ناحية، وانتشرت مجالسه ومناظراته. ص _034"